كيف يؤثر الشذوذ في تفكيك الطبيعة الإنسانية؟

<div>سؤالي عن دور الشذوذ في تفكيك الطبيعة الإنسانية ما الفلسفة التي تقف وراء ذلك وهل يتأثر هذا التفكيك بالواقع الرقمي وتطور الطب؟</div>

أخي الكريم، الشذوذ جريمة ضد الأخلاق والفطرة، وهو في الوقت نفسه خطيئة تقود إلى تفكيك الطبيعة الإنسانية القائمة على الاختلاف والتكامل بغية تحقيق الاستخلاف من خلال التكاثر، غير أن الشذوذ يسير ضد تلك الطبيعة، وهو ما سيقود حتمًا إلى ذوبان البشرية وتآكلها إذا استمرت رقعة الشذوذ في الاتساع والتأييد الساعي إلى الاعتراف به كطريق "مشروع" للجنس.

 

الشذوذ وتفكيك الطبيعة

 

أخي الكريم، لا بد من فهم عميق للشذوذ ودوافعه والفلسفة التي تسانده، ثم إدراك المسار الحتمي لتأثيره على الطبيعة البشرية، التي لم يعد يراها الشواذ ومؤيدوهم أنها كينونة ثابتة، ولها غايات ثابتة في التناسل والتكاثر، غير أن تلك الطبيعة تتعرض مع الشذوذ لتشكيك وتفكيك ينطلق من رؤية مفادها أن الخروج عن الطبيعة الجنسية الفطرية بين الرجل والمرأة يجب ألا يخضع للغاية البيولوجية من الجنس وهي الإنجاب، وألا يخضع كذلك للقيود التقليدية من الدين والأخلاق والطب، ولكن الخضوع يكون للفرد وما يراه ويحدده.

 

في الشذوذ هناك فصل بين اللذة الجنسية والغاية الإنجابية، وهذا ما سعى التأسيس الفلسفي لبثه من أفكار حول الشذوذ، حيث اعتبروا أن الجنس ليس معطى طبيعيًّا عبر التاريخ، ولكنه أحد نواتج الخطاب السلطوي الذي حدد ما هو سائد بالنسبة للجنس وما هو يجب ضبطه وتجريمه، تبعًا لحاجات المجتمع الاقتصادية وليس كطبيعة بشرية وفطرية مطلقة.

 

وقد ساهمت النسوية في ترسيخ تلك الرؤية التفكيكية للطبيعة البشرية، فنجد مثلاً إحدى رائدات النسوية ومؤيدات الشذوذ وهي الأكاديمية الأمريكية "جوديث باتلر" في كتابها "قلق الجندر" ترى النوع (ذكر أو أنثى) ليس كينونة ثابتة يولد بها الإنسان، "ولكنه أداء متكرر يوميًّا نفعله بضغط من الثقافة السائدة، ليظهر كما لو كان حقيقة بيولوجية حتمية"، وبالتالي حسب تلك الرؤية "المنحرفة" فإن الطبيعة البشرية الفطرية في العلاقة بين الرجل والمرأة ليست حتمية بيولوجية ولكنها بناء ثقافي واجتماعي قابل للتجاوز، أي أن المجتمع وتقاليده وثقافته هي من يصنع الرجل والمرأة وليس الفطرة التي خلق الله تعالى الإنسان عليها لغاية التكاثر وإعمار الكون.

 

الشذوذ وعصر ما بعد الإنسان

 

أخي الكريم، هناك مجموعة من الفلسفات والتطورات تسير في اتجاه تذويب الإنسان، وبخاصة الفلسفات والآراء المرتبطة بالرغبة الجنسية ومسارات تفريغها، حيث تشير تلك الآراء إلى أن الرغبة الجنسية هي تدفقات حرة للطاقة الجنسية ولكنها لا تعرف وغير مرتبطة بحدود وقيود الوظيفة الحتمية المسبقة، أي فصل الجنس عن الغاية الإنجابية، وهنا تهدر البشرية طاقتها الجنسية في أفعال خسيسة لا طائل منها ولا فائدة، ولكنها أفعال تفتح أبوابًا من الخراب والتدمير الذاتي للإنسان.

 

وفي ظل الرقمية والتقدم التكنولوجي في مجال الطب والجينات، شعرت الفلسفات والآراء المؤيدة للشذوذ أن هناك قدرة على تنفيذ رؤيتها من خلال التلاعب بنوع الجنس وإمكانية تغيير النوع بين الذكر والأنثى حسب ما يريد الشخص، وبالتالي أصبح الطب قادرًا على تلبية رغبات الشواذ وطموحاتهم، ونقل ذلك عبر الرقمية إلى المجتمعات الأخرى، ليصبح الشذوذ اتجاهًا إنسانيًّا عالميًّا، أو طريقًا آخر للرغبة الجنسية الطبيعية بين الرجل والمرأة.

 

يرى الدكتور "المسيري" في كتابه "الفلسفة المادية وتفكيك الإنسان" أن "تفكيك الإنسان يبدأ عندما يُنزع عنه بعده الروحي والغائي، ليتحول في ظل المنظومات المادية إلى مجرد كينونة وظيفية خاضعة لمنطق الاستهلاك والسيولة"، ومن ثم فإن هدم الثنائيات الفطرية المستقرة (ذكر/أنثى) وإلغاء التمايز بين الجنسين لا يقود إلى تحرير الذات، بل إلى إفراغها من أبعادها التراحمية والأسرية التي تمنح الوجود البشري معناه واستقراره.

 

موضوعات ذات صلة:

هل أصبح الدفاع عن الشذوذ معيارًا للديمقراطية؟

هل للشذوذ أبعاد فلسفية؟

ما دور الإعلام في التطبيع مع الشذوذ؟

مجتمع الميم.. تطبيع الكلمة مع الخطيئة

كيف يجري التطبيع مع الرذيلة؟