الحركة الدعوية بين ضرورة التحرك وآفات السكون

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية ومرب، ألاحظ في واقعنا المعاصر فتورًا عجيبًا في حركة الدعاة، حيث أصبح الكثيرون منهم يكتفون بالجلوس في المساجد وانتظار الناس ليأتوا إليهم، أو يقتصرون على النشر عبر وسائل التواصل الاجتماعي دون أن يتحركوا بين الناس، ويتفقدوا أحوالهم، ويواسوهم في محنهم، ويشاركوهم أفراحهم، وقد نسوا أو تناسوا أن الحركة هي سنة الأنبياء والمرسلين، وهي روح الدعوة، وأن السكون هو الموت والجمود.<o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"> </p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">كيف يمكننا أن نُحيي هذه الروح الحركية في صفوف الدعاة، وأن نُخرجهم من حالة الجمود إلى حالة النشاط والانطلاق، وأن نُذكرهم بأن الدعوة لا تُنتظر، بل تُبادر، وأن سنة الله في الكون تقوم على الحركة، وأن التحرك إلى الناس هو الطريق الأمثل لكسب قلوبهم ونشر رسالة الإسلام؟</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-bidi-language:AR-EG"><o:p></o:p></span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، حياك الله، وبارك في حرصك على تجديد حيوية الدعوة.

 

إن ما لمسته هو عين الصواب، فالحركة في قاموس الدعاة هي الحياة، والسكون هو الموت. وكما قال بعض السلف: "الحركة ولود، والسكون عقيم".

 

إن الحركة هي سنة الله تعالى في خلقه، فلا حياة ولا خير ولا بركة في الجمود، والماء إذا سكن فسد، والدنيا كلها قائمة على الحركة؛ فالشمس والقمر والنجوم في حركة دائمة، والنبات ينمو ويتحرك نحو الضوء، والإنسان يسعى لتحقيق معيشته، فكيف بالدعوة التي هي قوام حياة البشرية؟!

 

لقد جسّد الأنبياء والمرسلون عليهم السلام هذه الحقيقة، فكانوا لا يقرون في مكان، يطوفون في الأسواق، ويقصدون الناس في بيوتهم وأنديتهم، ويدعونهم إلى الله بالحكمة والموعظة الحسنة.

 

وانظر إلى النبي ﷺ وهو يدعو في موسم الحج: «مَنْ يُحْمِلُنِي حَتَّى أُبَلِّغَ رِسَالَةَ رَبِّي؟ وهو القائل: «بَلِّغُوا عَنِّي وَلَوْ آيَةً» (رواه البخاري). وانظر إلى صحابته الأجلاء، كيف خرجوا في كل أرض ينشرون دعوة الإسلام، حتى فتحوا البلاد وكانوا سببًا في هداية العباد.

 

يقول الإمام الغزالي رحمه الله: "اعلم أن كل قاعد في بيته أينما كان فليس خاليًا في هذا الزمان عن منكر، من حيث التقاعد عن إرشاد الناس وتعليمهم وحملهم على المعروف... وواجب على كل فقيه - فرغ من فرض عينه وتفرغ لفرض الكفاية - أن يخرج إلى ما يجاور بلده من أهل السواد ومن العرب والأكراد وغيرهم، ويعلمهم دينهم وفرائض شراعهم".

 

وهذا ابن القيم رحمه الله يقول: "وتبليغ سنته ﷺ إلى الأمة أفضل من تبليغ السهام إلى نحور العدو؛ لأن تبليغ السهام يفعله كثير من الناس، وأما تبليغ السنن فلا يقوم به إلا ورثة الأنبياء".

 

فما هي أسباب هذا الفتور الحركي؟ هي كثيرة، منها:

 

1. اعتزال الناس والانكفاء: ظن البعض أن العبادة تقتصر على الخلوات والعبادات الشخصية، وينسون أن أعظم العبادات هي الدعوة إلى الله والتواصل مع خلقه، وهذه من أخلاق الجبناء، أما الشجعان فيتعلمون ويعلمون، ويخالطون الناس ويصبرون على أذاهم.

 

2. الانشغال بالدنيا وتفاهاتها: التعلق بالماديات والنعيم الزائد يصد عن الحركة والجهاد في سبيل الله، ويجعل الداعية يرضى بالدعة والراحة.

 

3. فقدان القدوة: غياب النماذج المتحركة من الدعاة المخلصين، يجعل الجيل الجديد يفتقر إلى الحافز على الحركة.

 

4. ضعف اليقين: عدم الإيمان الكامل بأن الأجر والثواب في السعي والحركة، وليس في مجرد القعود والتمني.

 

ومعالجة هذا الداء تتطلب:

 

1. إحياء ثقافة الحركة في المناهج التربوية والدعوية: يجب أن تكون الحركة والتجوال والدعوة الميدانية جزءًا أساسيًّا من تأهيل الدعاة، وأن يُغرس فيهم حب التحرك إلى الناس، والاختلاط بهم، ومشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم.

 

2. تقديم النماذج الحية من تاريخ الدعوة: سرد قصص الأنبياء والصحابة والدعاة المخلصين، وكيف كانوا يضربون بهم المثل في التضحية والتنقل في سبيل الله، وكيف خرجوا من أوطانهم وتركوا أموالهم وأهليهم لنشر الدين.

 

3. التذكير بفضل الحركة وأجرها: فقد قال ﷺ: «لأَنْ يَمْشِيَ أَحَدُكُمْ مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَعْتَكِفَ فِي مَسْجِدِي هَذَا شَهْرَيْنِ». وفي رواية: «وَمَنْ مَشَى مَعَ أَخِيهِ فِي حَاجَةٍ حَتَّى يَنْجَحَهَا، كَتَبَ اللَّهُ لَهُ أَجْرَ مَنْ صَامَ شَهْرًا» (رواه الطبراني).

 

4. تخطيط العمل الدعوي: وضع خطط وبرامج تُلزم الدعاة بالخروج إلى الناس في أماكن تجمعاتهم، كالأسواق والمدارس والجامعات والمصانع والمراكز التجارية، وتنظيم رحلات دعوية، وإقامة لقاءات مفتوحة.

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

• ابدأ بنفسك، وكن أنت القدوة في الحركة والانطلاق، واجعل هذا الأمر شعارًا لك في كل مناسبة.

 

• اجعل نيتك خالصة لله، وتذكر أن كل خطوة تخطوها في سبيل الله، وكل كلمة تسمعها، وكل دموع تمسحها، هي في ميزان حسناتك، وستجد أثر ذلك في نفوس المدعوين، كما قال الشاعر:

 

كُنْ مِشْعَلًا فِي جُنْحِ لَيْلٍ حَالِكٍ *** يَهْدِي الأَنَامَ إِلَى الْهُدَى وَيُبَيِّنُ

 

وأسأل الله العظيم أن يُحرك قلوبنا، وأن يُنشط هممنا، ويجعلنا من الساعين في رضوانه، وأن يرد كيد أعدائنا في نحورهم.

 

روابط ذات صلة:

آفات الدعاة وكيفية الوقاية منها

كيف أستعيد وهج الدعوة ونشاط الماضي؟

أشعر بالفتور الدعوي.. فقدت الإخلاص أم مرحلة طبيعية؟