كيف تؤثر ظلال السخط السوداء على حياتنا؟

لماذا يعاني البعض منا من السخط وعدم الرضا عن حاله وحياته وهل السخط له تأثيرات سلبية على النفس والعقل

أخي الكريم، مساحات السخط وعدم الرضا تتوسع إنسانيًّا بصورة مقلقة، بسبب المقارنات التي أوجدتها حالة الانكشاف للحياة على مواقع التواصل الاجتماعي، وبث الكثيرين للحظات سعادتهم وفخرهم، وفي ظل الفراغ الروحي، وتعمق المادية بكافة تجلياتها في السلوك والتمنيات أرخت ظلال السخط السوداء غشاواتها على الكثير من النفوس والعقول.

 

السخط له تأثيراته السلبية على الأفكار ورؤية الإنسان للحياة، وهي حقيقة تنبه إليها من قديم الإمبراطور والفيلسوف اليوناني "ماركوس أوريليوس" (المتوفى:180م) عندما قال: "إن جودة حياتك تعتمد على جودة أفكارك؛ العقل الساخط يخلق عالمًا مشوهًا من حوله حتى لو كان يعيش في قصر".

 

السخط يبدأ فكرة

 

أخي الكريم، السخط ليس انعكاسًا لأزمة مادية أو قلة إمكانات، ولكنه يبدأ فكرة يرفض فيها الإنسان ما هو فيه ويقارن نفسه بالآخرين، لتتحول المقارنة إلى سخط وعدم رضا، وكما تقول الحكمة: "الرغبة غير المحدودة هي حبل يربط الإنسان بآلة التعذيب؛ كلما ركض خطوة إلى الأمام، اشتد الخناق على عنقه".

 

السخط هـو الرفض الشديد والمستمر للواقع، والاعتراض النفسي والذهني على المتاح والمقسوم مع الكراهية الشديدة له، وهو النقيض المباشر لمفهوم الرضا والطمأنينة، وفيه يمتزج الغضب والضيق بالاعتراض الوجداني على تفاصيل الحياة والظروف، سواء كانت هذه الظروف قدرية، اجتماعية، أو مادية، أو حتى متخيلة ووهمية.

 

ينظر علم النفس إلى السخط على أنه اضطراب انفعالي وإدراكي مزمن، ينشأ من وجود فجوة حادة بين توقعات الفرد المثالية وواقعه الفعلي، ومن ثم فهو ليس مجرد غضب لحظي من مشكلة عابرة، بل هو "منهجية تفكير" وتشوّه معرفي يجعل العقل ينحاز تلقائيًّا لرؤية النواقص والمفقودات، مع عجز تام عن إدراك النعم والمزايا، والسخط يتغذى على ثقافة المقارنة، واللهاث وراء الاستهلاك والتلذذ والراحة، والحصول على الأشياء بغير ما تستحقه من جهد وتعب.

 

السخط في حقيقته هو نوع من تعذيب الذات لنفسها، وجلدها المستمر لنفسها وحالها، ولذا تراه الفلسفة "شقاء الوعي" أو "الوعي الشقي" فهو وعي، ولكنه يسبب الشقاء الدائم للإنسان، يُفقده السلام والطمأنينة الداخلية؛ لذا يصفه البعض بأنه عذاب يمارسه العقل ضد النفس، لفقدانه نعمة الشكر والامتنان والإحساس بالنعم والأفضال؛ لذا تفقد النفس صلابتها، ويفقد السلوك التزامه بأخلاقياته القويمة، لتتحول الكلمات والنظرات إلى رصاصات ضد الذات والواقع والآخرين.

 

ولعلم النفس تفسيرات لحالة السخط التي يصفها على أنها اضطراب انفعالي وإدراكي مزمن، من ذلك:

 

* السخط آلية دفاعية عن "الأنا": فتملك عقدة النقص من الذات، تدفع الإنسان إلى إلقاء اللوم على الآخرين، بدلاً من أن يبحث عن مسؤوليته عن الإخفاق، وهي حالة يسميها علم النفس "الطموح العصابي" أو "الطموح القهري"، حيث يرى الشخص نفسه بلا قيمة إذا لم يكن "الأفضل" أو "الأول" في مجاله؛ فالهدف من النجاح هو إثبات خطأ الآخرين أو التغلب عليهم وقهرهم.

 

* تشوه الإدراك: يُنظر للسخط على أنه حالة من التشوه الإدراكي المعرفي، إذ ينحاز العقل إلى إدراك الأشياء بصورة سلبية، فالعقل الساخط يعاني من رسوخ نمط تفكير ينحاز تلقائيًّا للنقص، فيصاب العقل بعجز عن إدراك الإيجابيات والنعم، وهنا يُصاب الإنسان بشيء مزعج وهو ما يسمى بـ"تدوير الإحباط"؛ فالسخط يتلف الخلايا العصبية ويمنع التفكير العقلاني الإيجابي، فيُعاد إنتاج السخط مرة أخرى، ويكون مصحوبًا بأمراض عضوية ونفسية.

 

* فجوة التوقعات وهوس الإنجاز: هوس الإنسان بالإنجاز، ووصول الهوس إلى مرحلة الطغيان على الذات والسيطرة عليها، يصيب الإنسان بالسخط خاصة إذا ما قارن توقعاته المثالية بحاله في ظل معايير النجاح الصعبة والمكلفة.

 

وختامًا أخي الكريم، السخط يفقدك بهجة الحياة، ويأخذ بيدك إلى الجحيم النفسي، وربما يدفعك إلى السخط على أقدار الله تعالى، وربما دفعك إلى ارتكاب الجرائم المروعة، فهو يشبه النار التي تحرق الذات ويمتد لهيبها إلى الخارج، فاحذر هذه الروح والأفكار البائسة أن تؤثر على حياتك وعقلك وعلاقاتك، يقول "أبو حامد الغزالي": "لو أن الغنى بكثرة المتاع لكان السخط زادًا، وإنما الغنى غنى النفس؛ فمن رضي بما قسم الله له استراح بدنه وقلبه".

 

 

موضوعات ذات صلة:

هل يعكر طغيان إلحاح الإنجاز سعادة الإنسان؟

هل الرضا يمنحنا قوة نفسية؟

هل تقف الرقمية وراء سخطنا على أجسادنا؟

هل تحتاج عقولنا إلى قيمة الرضا؟

الطموح هل هو نقمة أم نعمة؟

كيف أستفيد من الطموح لصحتي العقلية والنفسية؟