كيف يمكن لنظرية التنوع البيولوجي أن تضفي نوعا. من الفهم العميق على رؤيتنا للعدل الالهي في الكون وبالتالي نبطل حجج الالحاد التي تشكك الناس في هذه القضية
أخي الكريم، يظن البعض خطأ أن العلم غير قادر على إثبات
وجود الله تعالى، أو غير داعم لقضية الإيمان، ويظن آخرون أن العلم قد يدعم الإلحاد
ويقوي حجته، والصحيح أنه "لن تصطدم حقيقة علمية صحيحة بقاعدة شرعية ثابتة"،
لكن ضحالة البعض في عرضهم للخطاب الديني، وعدم تطرق هذا الخطاب إلى المشكلات
والقضايا التي تحتاج إلى تفصيل وإيضاح، فتح الباب أمام الآراء الإلحادية لتشكيك
الناس في الإيمان وتحريضهم على رفض الإيمان بالغيب، ومن القضايا التي حاول الإلحاد
أن ينفذ منها ليبث سمومه، هي مسألة "العدل الإلهي".
والحقيقة أن طرح السؤال من الناحية الإيمانية قد يبدو
فيه مغالطة؛ فاعتقادك بوجود إله عظيم للكون يقتضي أن تؤمن بأنه إله حكيم يضع الشيء
في موضعه، كذلك أن تؤمن أن هذا الإله العظيم ذو حرية مطلقة وغير مقيدة، فهو يفعل
ما يشاء ولا يُسأل عما يفعل، ومن ثم فيكون طرح السؤال في غير موضعه لأهل الإيمان.
التنوع البيولوجي يرفض الإلحاد
أخي الكريم، وفي هذه الاستشارة نقاش سؤال: هل نظرية
التنوع البيولوجي قادرة على أن تمدنا بفهم أعمق لمسألة العدل الإلهي في الكون؟
يزعم الإلحاد أن وجود مظالم في الكون، ووجود عدم مساواة
فإن ذلك يتنافى مع هذا العدل الإلهي، غير أن هذا الطرح الإلحادي العقيم يُرد عليه
من خلال العلم ذاته، وبخاصة نظرية التنوع البيولوجي، والتي تختص بدراسة تعدد وتنوع
الكائنات الحية على كوكب الأرض، والأنماط الطبيعية التي تشكلها، وكيفية تفاعلها مع
بيئاتها.
وهذه النظرية تقسم علميًّا إلى ثلاثة مستويات، هي:
التنوع الجيني: وهو يدرس اختلاف الجينات أو المادة الوراثية بين أفراد النوع الواحد،
وهذا التنوع يسمح بالتكيف مع التغيرات البيئية والأمراض.
تعدد الأنواع: ويناقش تعدد الأنواع والمخلوقات التي تعيش في بيئة واحدة، حيث يوجد
اعتماد متبادل بينها، واختفاء نوع أو مخلوق يؤثر على تلك المنظومة.
تنوع الأنظمة البيئية: حيث تتنوع البيئات على الكوكب من صحار وأودية وأنهار ومحيطات، وهذا
التنوع يعتمد على بعضه البعض لتأدية الوظائف الحيوية... وهذه النظرية تؤكد أن
سلامة واستقرار الأرض والكون قائم على التنوع والاعتماد المتبادل بين مخلوقاته
ومكوناته المختلفة.
التنوع
البيولوجي وقضية العدل الإلهي
أخي
الكريم، إن تأمل نظرية التنوع البيولوجي يؤكد أن كل مخلوق في هذه المنظومة له دور
في بقائها واستمرارها، فلو أن المخلوقات كلها كانت من جنس واحد أو على مستوى واحد
من القوة لحدث اختلال في المنظومة الكونية؛ لأن هناك اعتمادًا متبادلاً بين تلك
المخلوقات قائمًا على الاختلاف والتنوع بينها.
ويمكن
النظر إلى العدل الإلهي من أكثر من منظور لفهم التنوع وعدم المساواة، من ذلك:
* منظور غاية النظام الكوني: فهذا النظام في مجمله قائم على العدل، وغايته
العدل، ويجب ألا يُقاس بمستوى الأفراد؛ لأن صراعات الأفراد وظلمهم هو نوع الكسب
للأفعال، والتنوع والاختلاف هو ما يسمح باستمرار الحياة وتقدمها في مسارها
الطبيعي.
* العدل الإلهي والحرية الإنسانية: وهذا المنظور ذو أهمية، فالعدل الإلهي ليس
قهرًا لاختيار الأفراد، ولكنه اختبار وابتلاء للإنسان؛ لأن قانون الخالق سبحانه
وتعالى لم يأمر بالظلم ولا يكافئ على الظلم، ولكن الخير والشر هما أمر كسبي
للإنسان في الحياة، وأن هناك في الآخرة دار جزاء وحساب، ولو قهرت إرادة الإنسان في
الحياة لم يكن هناك حاجة للحساب في الآخرة.
ومن
ثم فالرحمة والعدل والإحسان وغيرها من القيم العليا هي قيم كامنة في القوانين
الكلية في الحياة والوجود، وليس في الحوادث الفردية، والشرور قد تكون جزءًا من تحقيق
التوازن في الكون؛ فالموت يؤدي إلى حياة، والحياة تنتهي بموت، كما أن الخالق
سبحانه وتعالى لم يحرم مخلوقًا من أدوات لحماية نفسه والدفاع عنها، وأنه سبحانه
وتعالى في الآخرة سيحكم في المظالم، ومن هنا يصبح الألم والشر وسيلة لدفع حركة
التطور، ويصبحان أيضًا أداة للابتلاء للإنسان لاختبار قدرته على اكتساب الخير
والشر بإرادته الحرة.
وختامًا أخي الكريم، فهم قضية العدل الإلهي عبر بوابة
التنوع البيولوجي يتطلب التخلي عن إسقاط المقاييس الإنسانية الضيقة على الفعل
الإلهي الكوني؛ فالله سبحانه وتعالى ليس قاضيًا بشريًّا يدير محكمة أرضية، بل هو
خالق الوجود ومفيض الحياة، وعدله المطلق سبحانه وتعالى موجود وقائم في الدنيا
والآخرة.
موضوعات ذات صلة:
ما معيار الإلحاد لمفهومي الخير والشر؟
ما مفهوم الجزاء في عالم بلا إله؟
الإلحاد الديني والعلمي هل هناك اختلاف؟