هل السلطة في الفكر السياسي الإسلامي مسؤولة عن أخلاق الناس، وهل هذا جزء أساسي من وظيفتها؟
أخي الكريم، يظن البعض أن السياسة والسلطة غير مسؤولة عن
أخلاق الناس وغير معنية بصلاحهم أو إصلاحهم، أو توفير بيئة مناسبة لنمو الأخلاق
والفضائل، وأن دور السلطة والسياسة يقتصر على تدبير المعاش وصيانة الأمن وحماية
حدود الدولة، أما ترقية أخلاق الناس والعناية بالفضائل والحث عليها فيجب أن تكون
يد الدولة مغلولة في هذا الجانب.
السياسة والأخلاق
أخي الكريم، العلاقة بين السياسة والأخلاق إشكالية قديمة
ومعقدة في الفكري السياسي والفلسفة الأخلاقية، والآراء فيها متناقضة متضاربة:
* فهناك من يرى ضرورة الاتصال التام بين السياسة
والأخلاق، وأن السياسة ما هي إلا امتداد للأخلاق وتهدف لتحقيق الخير والنفع في
المجتمع، وأنه لا يصح انفلات السياسة من القانون الأخلاقي.
* وهناك من رأى ضرورة الفصل
التام بينهما رافعًا شعار "لا دين في السياسة ولا سياسة في الدين"، وهذا
الرأي يسمى بالواقعية ويرى أن الغاية تبرر الوسيلة.
* وهناك اتجاه توفيقي أو تلفيقي، حسب التوظيف، ويسمى بـ "الواقعية
الأخلاقية"، وهو اتجاه يجمع بين متطلبات الواقع والعمل السياسي وبين الضوابط
الأخلاقية.
أما الرؤية الإسلامية للسياسة، فهي رؤية ترفض الفصل بين
المجال السياسي والأخلاقي، وترى أن السياسة جزء من الدين والتشريع؛ لذا سميت
بـ"السياسة الشرعية"، والتي صاغ "أبو الحسن الماوردي"
(المتوفى:450هـ) في كتابه الشهير "الأحكام السلطانية" قاعدتها الشهيرة وهي
"الإمامةُ موضوعةٌ لخلافةِ النبوةِ في حراسةِ الدِّينِ وسياسةِ
الدُّنيا"، هذا التلاحم بين الدين والسياسة في الرؤية الإسلامية يوجب على
السلطة أن تكون لها مسؤولية تجاه حماية أخلاق الناس وصيانتها وكذلك دور في صلاح
الأخلاق في المجتمع وحراسة قيمه.
واجبات السلطة الأخلاقية
أخي الكريم، في الرؤية الإسلامية مسؤولية السلطة واضحة
تجاه حماية الأخلاق وصيانتها، وإذا نظرنا إلى الفكر السياسي الإسلامي، المرتكز على
القرآن الكريم والسنة النبوية المطهرة، ثم على اجتهادات العلماء في هذا المجال،
لوجدنا تلك المسؤولية موجودة من قديم ومبثوثة في الكتب والمؤلفات التي عرفها التراث
الإسلامي على مدار تاريخه.
ففي كتاب "الأحكام السلطانية" للماوردي، من
الواجبات العشرة الخاصة بالإمام أو ولي الأمر، والتي ذكرها في هذا الكتاب، نكتشف
أن أغلبها يرتبط بالجانب الأخلاقي في المجتمع صيانةً وحفظًا وحماية، فيقول: "أحدها
حفظ الدين على أصوله المستقرة وما أجمع عليه سلف الأمة، فإن نجم مبتدع أو زاغ ذو
شبهة عنه أوضح له الحجة وبيّن له الصواب وأخذه بما يلزمه من الحقوق والحدود، ليكون
الدين محروسًا من خلل والأمة ممنوعة من زلل".
ونجد ذات المعنى واضحًا عند الإمام "ابن
تيمية" (المتوفى:728هـ) في كتابه الشهير "السياسة الشرعية في إصلاح
الراعي والرعية" فيقول عن واجبات السلطة تجاه الأخلاق: "الْمَقْصُودُ
الْوَاجِبُ بِالْوِلَايَاتِ: إصْلَاحُ دِينِ الْخَلْقِ الَّذِي مَتَى فَاتَهُمْ
خَسِرُوا خِسْرَانًا مُبِينًا، وَلَمْ يَنْفَعْهُمْ مَا نَعِمُوا بِهِ فِي
الدُّنْيَا؛ وَإِصْلَاحُ مَا لَا يَقُومُ الدِّينُ إلَّا بِهِ مِنْ أَمْرِ
دُنْيَاهُمْ".
وكان ابن تيمية يرى أن الأخلاق والمبادئ بدون سلطة
تحميها وتفرض عقوبات وتعزيرات على منتهكيها تضيع وتتلاشى في المجتمع؛ لأن بعض
البشر لا يردعهم الوعظ الديني؛ بل تردعهم القوة، فالسلطة لها واجب أخلاقي في منع
المنكرات، ويقول عن ذلك: "الوالي يجب عليه منع هؤلاء؛ فيمنع المنكرات كلها:
من الفواحش، والظلم، وشرب الخمر، والميسر... ويمنع الغش في الأطعمة والثياب،
والتطفيف في المكيال والميزان".
أما "ابن "خلدون" فرأى أن للسلطة
والسياسة دورها في حماية مصالح الإنسان الدينية والدنيوية، فيقول: "السياسة
الدينية (الشرعية) مفيدة في الدنيا والآخرة؛ لأن أحكام الشرع راعية للمصالح في
انقيادهم إليها... فكانت هذه الخلافة حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في
مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها".
وختامًا أخي الكريم، السلطة والسياسة لهما مسؤولية في
حماية أخلاق الناس، لكن ليس باللجوء إلى الإكراه والعنف الذي يجبر الناس على
الفضيلة، ولكن من خلال فتح مسارات الخير والصلاح في المجتمع، وتضييق سبل الرذائل
والانحرافات، ولهذا كان الإمام "ابن قيم الجوزية" يقول: "السياسة
الشرعية هي: ما كان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح وأبعد عن الفساد، وإن لم
يضعه الرسول صلى الله عليه وسلم ولا نزل به وحي".
موضوعات ذات صلة:
ما دور التزكية في الإصلاح الاجتماعي؟
كيف نظرت الفلسفة المادية لتطوير الذات؟
هل تؤثر النبوءات الدينية في السياسة الدولية؟
النظام الدولي.. بين القوة والمظلومية
ما هو مفهوم العدو في الرؤى السياسية والفكرية؟