<p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، حياكم الله ونفع بعلمكم.<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أنا أب لشباب في المرحلة الجامعية يدرسون في تخصصات علمية، وأعمل أنا نفسي في مجال الهندسة الإلكترونية منذ عقود. يعود أبنائي إليّ يوميًا بأطروحات واستفسارات تمسّ أصول العقيدة، وتستهدف بشكل خاص قضية المعجزات والغيبيات المذكورة في القرآن والسيرة النبوية (مثل حادثة الإسراء والمعراج، أو معجزات الأنبياء الكرام كشق البحر وإحياء الموتى)</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">لاحظت أن أفكارهم لم تأتِ من فراغ، بل هي نتيجة تأثر مباشر بموجة من المحتوى الرقمي تروج للفلسفة المادية</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span lang="AR-SA" dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span> </span><span lang="AR-SA" style="font-size: 18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">والتفسير التجريبي المجرّد لكل مظاهر الكون والوجود. وأصبح المعيار الوحيد لقبول أي حقيقة عندهم هو: هل يخضع هذا للمختبر أو القوانين الفيزيائية الملموسة؟</span><span dir="LTR" style="font-size: 18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أحاول جاهدًا محاورتهم وبناء جسور التواصل معهم، لكنني أشعر بوجود فجوة في الأدوات الفكرية؛ فالأساليب والتفسيرات التقليدية التي نشأنا عليها لم تعد تقنع هذا الجيل الذي يتعرض لضخ فكري يومي يعظم العقل التجريبي ويجعله حاكمًا مطلقًا حتى على قدرة الخالق والوحي. <o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">أخشى على دينهم، وأشعر بالحيرة في كيفية إيجاد التوازن الصحيح بين إعمال العقل واحترامه، وبين واجب التسليم للإيمان بالغيب ومعجزات الرسالة</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.</span><span lang="AR-SA" style="font-size: 18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif; mso-fareast-font-family:"Times New Roman";mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">فكيف ننمي في وجدان الشاب الإيمان بالغيب واليقين بالوحي دون أن يشعر أن الإيمان يتناقض مع منهج التفكير العلمي؟</span></p>
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأحيي فيك حرصك على أبنائك
ورعايتك لهم؛ فاهتمامك بفتح أبواب الحوار معهم في هذه المرحلة الحرجة دليل على
توفيق الله لك وأدائك لأمانة الأبوة؛ فأسأل الله أن يقر عينك بهدايتهم وصلاحهم،
وأن يفيض عليك من حكمته ونوره لتبني معهم جسور اليقين، وبعد...
فهم
طبيعة التحدي المعاصر
إن
المعركة الفكرية التي يخوضها أبناؤك اليوم ليست معركة ضد العِلم، بل هي معركة مع
فلسفة مادية تُلبَس ثوب العلم زورًا لتقنع الشاب بأن ما لا يستطيع المختبر قياسه،
فهو غير موجود! متجاهلة أن المختبر نفسه وسيلة لقياس المادة داخل نظام الكون، وليس
وسيلة لقياس موجد هذه المادة، ولا ما هو خارج حدود هذا النظام الفيزيائي.
التفريق
بين العلم التجريبي والفلسفة المادية
إن
العلم التجريبي هو منهج بشري قائم على الملاحظة والتجربة، لرصد سنن الله في الكون،
وهو منهج محترم ومأمور به شرعًا للاكتشاف والتعمير. قال تعالى: ﴿قُلِ انظُرُوا
مَاذَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾ [يونس: 101].
أما
الفلسفة المادية فهي موقف أيديولوجي ينفي وجود أي حقيقة خارج نطاق المادة. وهنا
يقع الخلط لدى الشباب؛ حيث يحولون المنهج التجريبي من أداة لاكتشاف الطبيعة إلى
حاكم مطلق على الوجود!
إنكار
الغيب بمنهج تجريبي تناقض منطقي
العلم
التجريبي يدرس الظواهر الخاضعة للتكرار والملاحظة داخل الزمان والمكان. أما
الغيبيات والمعجزات فهي حوادث وقعت خارج النمط المعتاد بأمر إلهي، وهي تنتمي لنظام
آخر غير خاضع لأدواتنا القياسية. بالتالي، فإن قول الشاب: «العلم لم يثبت المعجزة
الفلانية» جوابه المنطقي: ولن يثبتها تجريبيًّا؛ لأنها ليست ظاهرة طبيعية متكررة
خاضعة لظروف المختبر، وعدم وجود دليل تجريبي ليس دليلًا على العدم. قال تعالى
مبينًا هذا القصور البشري في الحكم على ما لم يحط به البشر علمًا: ﴿بَلْ كَذَّبُوا
بِمَا لَمْ يُحِيطُوا بِعِلْمِهِ وَلَمَّا يَأْتِهِمْ تَأْوِيلُهُ﴾ [يونس: 39].
التأصيل
الشرعي والعقلي للمعجزات والغيبيات
إن
المعجزة تقع بإرادة ومشيئة الله عز وجل، الخالق، المهيمن، مالك الملك، دون تبعية
لأي قوانين أو نواميس؛ لأنه ببساطة هو واضع هذه القوانين، وليست مفروضة عليه،
تعالى الله عن ذلك علوًّا كبيرًا. فقوانين الفيزياء والكيمياء التي يدرسها أبناؤك
ليست قواعد قائمة بذاتها تفرض سلطانها على الله، بل هي سنن وضعها الخالق لإدارة
الكون.
وأضرب
لك مثلًا من واقع عملك: بصفتك مهندسًا، إذا أنشأت برنامجًا معينًا لإدارة منظومة
ما، وحددت قوانين معينة لعمل هذه المنظومة، فهل تعجز -وأنت المنشئ- عن التدخل
لتعديل متغير أو إيقاف قانون لمرحلة معينة؟ قطعًا لا.
ومن
ثم، فالذي خلق الخلية من عدم قادر على إعادة إحيائها، والذي أوجد خاصية السيولة في
الماء قادر على تجميدها أو شقها، والذي جعل للنار صفة الإحراق هو الذي أمرها:
﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:
69].
السلسلة
المنطقية للإيمان
أخي
الكريم، إن الإيمان بالمعجزات والغيبيات يأتي عبر سلسلة من المعتقدات العقلية، أول
حلقة فيها هي إثبات وجود الخالق عن طريق الدلائل العقلية والكونية، من الضبط
الدقيق للكون، ثم إثبات صدق النبوة عبر إعجاز القرآن الكريم وأخلاق النبي ﷺ وتواتر
خبره، ومن ثم إذا ثبت بالدليل العقلي أن الله هو الخالق وأن محمدًا ﷺ هو رسوله
الصادق، يصبح التصديق بما أخبر به الرسول ﷺ عن الغيبيات (كالإسراء والمعراج،
والملائكة، واليوم الآخر... إلخ) نتيجة منطقية وحتمية لصدق المصدر.
وهذا
تمامًا ما فعله أبو بكر الصديق رضي الله عنه في حادثة الإسراء والمعراج؛ فعندما
جاءه المشركون يشككون في المعجزة، لم يناقشهم في سرعة الدابة، ولا في كيفية قطع
المسافات؛ بل أرجعهم للمبدأ الكلي المنطقي، فقال كلمته الخالدة: «إنْ كانَ قالَ
ذلكَ لقَدْ صَدَقَ». ثم علل ذلك بقوله: «إني لَأُصَدِّقُه فيما هو أبعدُ من ذلك،
أُصَدِّقُه بخبرِ السماءِ في غُدُوِّه أو رَوْحِه» [رواه الحاكم].
اقتراحات
عملية للتعامل مع الأبناء:
1- تغيير الاستراتيجية من الدفاع إلى المساءلة: عندما يطرح
أحدهم قضية من تلك القضايا، لا تبادر بالإجابة المباشرة؛ بل اسأله: «ما هو معيارك
لمعرفة الحقيقة؟ هل كل ما هو موجود يخضع للمختبر؟». اسألهم: «هل تستطيع بالمختبر
والأدوات التجريبية أن تثبت لي أنك تحبني؟ أو تثبت لي وجود العدل والأخلاق
والإرادة الحرة؟». سينتبهون فورًا إلى أن هناك حقائق قطعية ولكنها غير ملموسة ولا
مرئية ماديًّا.
2- الرد عليهم بمعطيات العلم التجريبي: قل لأبنائك: إن علماء الفيزياء لا يرون
الجاذبية، ولا مكونات الذرة، ولا الكهرباء بشكل مباشر؛ بل يؤمنون بوجود ذلك كله عن
طريق آثارها. ونحن كذلك لم نَرَ الله -جل جلاله- بأبصارنا، لكننا رأينا آثاره
وبديع صنعه وآيات صدق رسله.
وضح
لهم -بلغة العلم التجريبي- أن المعجزة ليست «خرقًا عشوائيًّا»؛ بل هي أمر من خالق
الكون لمادة معينة لتسلك سلوكًا استثنائيًّا.
3- ترشيح مصادر تخاطب العقل المادي: وجِّههم لقراءة الكتب ومشاهدة الأفلام
ومتابعة القنوات التي تفكك المادية بأسلوب علمي حديث، وما أكثرها، فابحث عن تلك
المصادر الموثوقة التي تقدم نقدًا علميًّا وعقليًّا للإلحاد والمادية بأسلوب عصري
مشوق، وأرشدهم إليها.
4- استيعابهم دون إشعارهم بالذنب: أشعِرهم أن التفكير والبحث ليس جُرمًا؛ بل
هو طريق لليقين إذا صح المنهج. وكان الصحابة يقع في قلوبهم شيء ما فيسألون النبي ﷺ:
إنا نجد في أنفسنا ما يعظم أحدنا أن يتكلم به، فيقول ﷺ: «وَقَدْ وَجَدْتُمُوهُ؟»
فيقولون: نعم، فيقول: «ذَاكَ صَرِيحُ الإِيمَانِ» [رواه مسلم]. فطمئنهم بأن وجود
الشبهة لا يعني طمس الإيمان، بل هو بداية للبحث عن المعرفة الحقيقية.
وختامًا
أخي الفاضل، إن أبناءك ينطلقون من الشغف العلمي، ولكن الساحة الرقمية اليوم ملغمة
بالفلسفات المادية التي تخلط العلم التجريبي بالإلحاد. ودورك اليوم -وقد هيأك الله
بالخبرة الدنيوية والإيمانية- أن تكون الحصن المعرفي والأب الرحيم الذي يتسع صدره
لشبهاتهم، ويأخذ بأيديهم نحو سعة الإيمان، دون أن يطلب منهم التخلي عن عقولهم ولا
عن شغفهم العلمي.
أسأل
الله أن يُقر عينك بأبنائك، وأن ينير بصائرهم بنور الإيمان واليقين. اللهم اهدِ
قلوبهم، واشرح صدورهم، وحصِّن أفكارهم، واجعل علمهم نافعًا لدينهم وأمتهم، وصلِّ
اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.
روابط
ذات صلة:
لماذا تكثر الشكوك الوجودية في مرحلة الشباب؟
كيف يمتلك الداعية منهجية حوارية لاستنقاذ الشباب من الشكوك؟