كيف نستعيد صلتنا بالقرآن وسط زحام الشاشات وضغوط العمل؟

<p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">يعطيكم العافية وجزاكم الله خير. أنا امرأة عمري 35 سنة، متزوجة وأم لطفلين، وأشتغل في مجال المبيعات. وبحكم طبيعة شغلي يومي كله مرتهن للتلفون؛ بين اتصالات، ومتابعة زبائن، ورسائل واتساب ما تخلص، وشبكات تواصل. وفوق هذا كله، صرت في وقت فراغي أضيع ساعات بدون ما أحس في متابعة المقاطع القصيرة والشاشات، لين حسيت إن عقلي تشتت تمامًا وتبرمج على السرعة والركض وراء كل جديد</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">المشكلة اللي تألمني هي علاقتي مع المصحف. زمان كنت ألقى لذة عجيبة في تدبر القرآن، وكانت قراءتي تشرح صدري وتهدي بالي. اليوم، لما أفتح المصحف، ألقى صعوبة شديدة في التركيز، ما أقدر أستمر أكثر من 5 دقائق متواصلة إلا وذهني يسرح، أو أمد إيدي للتلفون بدون شعور! صرت أقرأ بلساني بس، بدون ما يستشعر قلبي إنه كلام الله الهادي المحيي للقلوب.</span><span dir="LTR" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">في ظل ضغوطات شغلي، ومسؤولية بيتي وعيالي، وهذا التلوث البصري والفكري اللي حاصرنا من كل جهة، شلون أقدر أرتب ذهني وأستعيد الخشوع مع القرآن؟ <o:p></o:p></span></p><p dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">وشنو الخطوات اللي تساعدني أربط قلبي بالمصحف من جديد وأتخلص من هذا التشتت، بدون ما أؤثر على التزاماتي الوظيفية والأسرية؟</span><span dir="LTR" style="font-size: 18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><o:p></o:p></span></p><p class="MsoNormal" dir="RTL" style="text-align:justify;direction:rtl;unicode-bidi: embed"> <span lang="AR-SA" dir="RTL" style="font-size:18.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif; mso-fareast-font-family:&quot;Times New Roman&quot;;mso-ansi-language:EN-US;mso-fareast-language: EN-US;mso-bidi-language:AR-SA">وجزاكم الله خير.</span></p>

مرحبًا بك أختي الكريمة، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يجزيك خيرًا على حرصك على دينك، وأن يجعل القرآن العظيم ربيع قلبك، ونور صدرك، وجلاء حزنك، وذهاب همك، وأن يبارك لك في وقتك وجُهدك وبيتك وزوجك وذريتك، وأن يعينك على طاعته وحسن عبادته في كل حين، وبعد...

 

فإن مشكلتك -أختي الفاضلة- هي مشكلة العصر التي يعاني منها ملايين الناس؛ حيث سيطرة وسائل التواصل، وهيمنة ثقافة الشاشات، وتغوُّل المقاطع القصيرة، وكل ذلك يعيد برمجة العقل البشري على النمط السريع والتشتت الدائم، فيصبح الإنسان غير قادر على قراءة نص عميق أو أداء عبادة تتطلَّب السكون والهدوء كتلاوة القرآن الكريم.

 

ومع هذا -أختي الكريمة- ما زال لدينا أمل لا ينقطع، فالعقل يمكن صقله، والقلب يمكن ريُّه؛ وما تعانين منه علاجُه ممكن، وتداركه ميسور -بإذن الله- متى ما سلكتِ الطرق الصحيحة.

 

العمل والبيت ليسا المشكلة

 

بداية، يجب أن تعلمي أن المشكلة ليست في عملك ولا في رعايتك لبيتك وطفليك، فإن هذه عبادات جليلة تؤجرين عليها إذا قُرنت بالنية الصالحة. المشكلة في عشوائية التلقي وفوضى المدخلات، وعدم وجود حدود فاصلة بين وقت كل مهمة مفروضة علينا في الحياة، أي إدارة الأوقات، وترتيب الأولويات.

 

خطوات لاستعادة العلاقة بالقرآن:

 

أختي الفاضلة، إن «الخشوع» ليس زرًّا نضغط عليه فيحضر فورًا، بل هو ثمرة لتهيئة طويلة للقلب والجوارح. ولكي تعودي لتذوق حلاوة تدبر القرآن، أقترح عليك هذه الخطوات:

 

- استحضار عظَمَة المتكلِّم سبحانه: قبل أن تفتحي المصحف، اجلسي دقيقة واحدة، واستشعري عظمة مَن أنت مقبلة على تلاوة كلامه؛ إنه ملك الملوك، خالق هذا الكون. قال الله تعالى: ﴿لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ﴾ [الحشر: 21]. فإذا كان الجبل الصلب يتصدع، فكيف بالقلب الرقيق؟ قولي لنفسك: «الله يكلمني الآن، فكيف ألتفت عنه؟!».

 

- الكيف أهم من الكم: حين يكون الذهن مجهدًا ومشتتًا، فخطأ كبير أن تلزمي نفسك بقراءة كم كبير في جلسة واحدة - جزء كامل مثلًا- لأن هذا سيشعرك بالعجز والتشتت. فالأفضل أن تقرئي جزءًا يسيرًا ولو صفحة واحدة أو بضع آيات فقط، لكن بشرط التدبر والتفكر. فقد كان النبي «يَقُومُ بِآيَةٍ حَتَّى يُصْبِحَ يُرَدِّدُهَا» [رواه ابن ماجة]. وكان السلف الصالح يكررون الآية الواحدة ليلة كاملة ليتفكروا في معانيها.

 

- تنظيم الاتصالات وتجميع المهام: خصصي أوقاتًا محددة في اليوم للرد على اتصالات العمل، وأخبري عملاءك بأوقات عملك هذه، مع إغلاق الإشعارات في غير هذه الأوقات، بدلًا من المتابعة اللحظية المستمرة، مع إبقاء اللسان رطبًا بالذكر أثناء التصفح والاتصالات.

 

- الاستعاذة بالله من الشيطان: إذا شعرتِ برغبة في مد يدك للهاتف أو بدأت تسرحين أثناء القراءة، فتوقفي، واتفلي عن يسارك ثلاثًا، واستعيذي بالله من الشيطان الرجيم. فعَنْ عُثْمَانَ بْنِ أَبِي الْعَاصِ أنه أَتَى النَّبِيَّ فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ حَالَ بَيْنِي وَبَيْنَ صَلاَتِي وَقِرَاءَتِي يَلْبِسُهَا عَلَيَّ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ: «ذَاك شَيْطَانٌ يُقَالُ لَهُ خَنْزَبٌ، فَإِذَا أَحْسَسْتَهُ فَتَعَوَّذْ بِاللَّهِ مِنْهُ، وَاتْفِلْ عَلَى يَسَارِك ثَلاَثًا» [رواه مسلم].

 

- الدعاء والتضرع: ادعي الله في سجودك وفي أوقات الإجابة، بمثل: «يا حي يا قيوم، اجعل القرآن العظيم ربيع قلبي وشفاء صدري ونور بصيرتي».

 

- القراءة من المصحف لا الهاتف: استخدمي مصحفًا ورقيًّا كبيرًا وواضحًا، على الأقل في هذه المرحلة؛ لأن إشعارات تطبيقات الهاتف ستجذبك وتشغلك. وأنصحك بإبعاد الهاتف عنك تمامًا وقت القراءة، ويفضل وضعه في غرفة أخرى مع جعله على الوضع الصامت.

 

- القراءة بصوت مسموع مع التفسير: لا تقرئي بعينيك فقط وذهنك يسرح في أمور أخرى؛ بل رتِّلي بصوت خفيض؛ لكنه مسموع لك، ملتزمة بأحكام التجويد، فإن الصوت يوقظ الذهن ويقلل التشتت. وإن كنت لا تعلمين أحكام التجويد فتعلميها، فإن القراءة بها ستجعلك تحبين القرآن أكثر، وتركزين في آياته أكثر.

 

وحبذا لو استعنت بكتاب تفسير سهل (مثل: التفسير الميسر) واقرئي تفسير الآية قبل أو بعد قراءتها؛ فالإنسان لا يتدبر ما لا يفهمه.

 

- استثمار الأوقات البينية: بما أن يومك حافل بمسؤوليات البيت والطفلين، فيمكنك الاستماع للقرآن في الوقت الذي لا تستطيعين فيه التلاوة، أثناء قيامك بالأعمال المنزلية أو أثناء القيادة أو ركوب المواصلات.

 

- الصُّحبة الصالحة: اشتركي في مجموعة قرآنية نسائية (عبر الواتساب أو معهد تحفيظ) فالرفقة الإيمانية تحفِّز الهمة وتشد الأزر. يقول الله عز وجل: ﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [الكهف: 28].

 

- عدم جلد الذات: لا تحزني إن كان تطبيق هذه الأمور صعبًا في البداية؛ فالعقل يحتاج من أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع ليتعود على نمط جديد ويبرأ من التشتت.

 

وختامًا -أختي الفاضلة- أسأل الله أن يربط على قلبك، وأن يباعد بينك وبين التشتت والفتور كما باعد بين المشرق والمغرب.

 

اللهم يا مصرف القلوب صرف قلبها إلى طاعتك ومرضاتك، واجعل القرآن العظيم لقلبها ضياءً، ولصدرها جلاءً، ولهمِّها فرجًا، ولرزقها ووقتها بركةً ونماءً. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

بين إدمان «الجوَّال» وهَجْر القرآن.. كيف نضبط الميزان؟

كيف أحافظ على ورد القرآن في ظل جدول حياة مزدحم؟

مقصِّر تجاه القرآن والنوافل بسببالإرهاق... فما الحل؟