هل كثرة كتمان الأسرار عبء على العقل؟

هل كثرة كتمان اأاسرار تشكل عبئا نفسيا ومعرفيا على العقل والنفس وهل تحويل كل شيء إلى سر مجهد للعقل والروح؟

أخي الكريم، عقولنا تشبه أجسادنا، لها قدرة محدودة على التحمل، فإذا زادت أحمالها تعبت وكلّت مثل الأجساد، وإذا زادت تلك الأحمال لم تستطع النهوض بها، والأسرار وكثرتها من الضغوط الزائدة على العقل والنفس والتي تتطلب قدرة خاصة على كتمانها وعدم البوح بها.

 

الأسرار قد تكون مؤذية

 

أخي الكريم، تشير الأبحاث والدراسات النفسية إلى أن الجهد الذهني المطلوب لإخفاء المعلومات يُسبب إجهادًا مزمنًا، ويستنزف الطاقة المعرفية، وغالبًا ما يؤدي إلى القلق أو الاكتئاب؛ فالكتمان يؤدي إلى انخفاض مستوى الرفاهية النفسية، وتدهور الحالة الصحية، وتسارع وتيرة الأمراض.

 

أما التفسير الذي يعلل تلك الآثار السلبية لكتمان الأسرار هو أن إخفاء السر عملية مرهقة تتطلب حذرًا ويقظة مستمرة حتى لا يتفوه الشخص بما يخفيه، وحتى لا يعطي تلميحًا بأنه يخفي شيئًا ما، وهذا الحذر واليقظة والانتباه يخلق حالة من الإرهاق والتوتر والقلق، ويتطلب مجهودًا في المراوغة والخداع للهروب من أية أسئلة قد تتسبب في إفشاء السر.

 

تشير دراسة حديثة إلى أن أضرار كتمان السر لا تنبع من العملية نفسها فقط، ولكن الجزء الأكبر يأتي من التعايش مع تلك الأسرار والتفكير الدائم في محاولة إخفائها، تؤكد تلك الدراسة أن الناس يجدون أنفسهم يفكرون تلقائيًّا في أسرارهم -أي أن أذهانهم تتجه إليها- بوتيرة أعلى بكثير مقارنة بمواقف اجتماعية لا تتطلب إخفاء تلك الأسرار بشكل فعلي، كما أن الوتيرة المتصاعدة في التفكير في الأسرار تقترن غالبًا بانخفاض مستوى الرفاهية النفسية.

 

ويبدو أن ميل الإنسان إلى التفكير في أسراره هو الأكثر ضررًا على صحته النفسية، وتشير بعض الدراسات إلى أن 97% من الناس لديهم سر واحد على الأقل في أي لحظة، وأن متوسط عدد الأسرار لدى الشخص الواحد هو 13 سرًّا.

 

والحقيقة أن الطاقة المُستنزفة في إدارة المعلومات المُخفية تُقلل من فرص الاستمتاع بالحياة والتواصل مع الآخرين، وكثيرًا ما يُبلغ الأشخاص الذين يُخفون أسرارًا مهمة عن شعورهم بالإرهاق دون فهم السبب.

 

نوعية الأسرار

 

أخي الكريم، نوعية الأسرار تؤدي إلى الاختلاف في طبيعة المعاناة للشخص؛ فالأشخاص الذين يخفون ارتكاب أفعال مخزية ومؤذية، وما زال لديهم بقية من ضمير حي يقظ، يشعرون بمعاناة كبيرة في حال الكتمان؛ وبخاصة إذا تسبب هذا الكتمان في تحمل أبرياء لنتائج هذه الأفعال المخزية.

 

كما أن كتمان الأسرار قد يؤدي إلى عزلة الإنسان، أو حتى انعزاله الشعوري والنفسي عن المجتمع المحيط به، وهو ما يتسبب في نوع الإعاقة في التواصل وبخاصة إذا كان يعلم أشياء سرية مخزية عن أشخاص وهم لا يعلمون أنه يعرفها.

 

أما تأثيرات كتمان الأسرار على الجسد، فتتمثل في القلق والتوتر والاكتئاب؛ لأن الجسد لا يفرق بين أنواع التوتر المختلفة، ومع استجابة الدماغ للتوتر وإفرازه الهرمون المسؤول عن ذلك، يبقى الجسد في حالة تحفز شبه مستمر ما دامت تلك الأسرار تشغل الإنسان، ويتحمل القلب ضريبة ذلك التوتر والإجهاد العصبي.

 

تشير الدراسات إلى أن هناك عبئًا معرفيًّا آخر على العقل الإنساني في تعامله مع الأسرار، وهو أن العقل يُوجه جزءًا من قدراته ناحية إخفاء ذلك السر، وتذكر ما يجب عدم البوح به تصريحًا وتلميحًا، فكل كلمة وحركة وإشارة تخضع لرقابة صارمة خوفًا من زلات اللسان وتعبيرات الوجه والجسد، وهذه الإدارة العقلية للأسرار تستنزف جزءًا من طاقة الدماغ.

 

وختاما أخي الكريم، لا تحمل نفسك ما لا تطيق من كتمان الأسرار، التي ترهق عقلك وروحك وجسدك، وحاول دومًا أن تخفف هذا العبء عن نفسك، ليس بإفشاء أسرار الناس أو التحدث عن زلاتك التي يتوجب كتمانها حتى تعالج نفسك من أخطائها، ولكن حاول ألا تجعل السر يشكل ضغطًا نفسيًّا وعصبيًّا لحياتك، وحاول ألا تضفي السرية على الأمور البسيطة في حياتك، بمعنى أن تقلص ما يسمى سرًّا إلى عدد محدود جدًّا تستطيع طاقتك النفسية والعقلية أن تستوعبه وتتحمله.

 

موضوعات ذات صلة:

كيف أكتسب مهارة الذكاء العاطفي؟

كيف أتخلص من التفكير العاطفي؟

تفشي أسرارنا الخاصة.. كيف أتعامل؟!

طفلتي الثرثارة تبوح بأسرار أسرتنا!!