استراتيجيات التخطيط الدعوي لمواجهة الأزمات الفكرية

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته.. <o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">أنا موجه دعوي ومشرف على مجموعة من المراكز والشباب الدعاة في إحدى العواصم العربية. نواجه في السنوات الأخيرة موجة عاتية وممنهجة من الأزمات الفكرية والشبهات الوافدة (كالإلحاد الجديد، والسيولة الأخلاقية، وتفكيك الأسرة) التي تستهدف عقول الفئات الناشئة والشباب عبر وسائل الإعلام الحديثة ومنصات الترفيه العالمية.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">ألاحظ أن ردة الفعل الدعوية والمجتمعية الحالية غالبًا ما تكون عبارة عن "إطفاء حرائق" وردود أفعال مؤقتة ومستعجلة عند حدوث أزمة معينة أو انتشار مقطع مسيء، دون وجود رؤية استراتيجية بعيدة المدى تتحرك وفق منهج علمي وقائي.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">سؤالي لفضيلتكم: كيف يمكننا الانتقال بالعمل الإسلامي والدعوي من عقلية "رد الفعل" العفوية إلى عقلية "التخطيط الدعوي الاستراتيجي" والمبادرة؟ وما هي المعالم والخطوات العملية لبناء خطة دعوية وطنية أو إقليمية قادرة على قراءة الواقع، وتحصين الجيل الناشئ استباقيًّا، وصناعة بدائل قيمية قوية تنافس في سوق الأفكار المعاصر؟<o:p></o:p></span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بك أيها الأخ الفاضل والموجه التربوي القدير. لقد وضعت يدك على ثغرة من أخطر ثغور العمل الإسلامي المعاصر، وطرحت قضية هي جوهر التخطيط الدعوي ومناهج الدعوة ووسائلها في هذا العصر الحرج.

 

إن مواجهة التحديات الفكرية المعاصرة لا يمكن أن تدار بجهود فردية مبعثرة أو بنظام المياومة وردود الأفعال العاطفية؛ فالباطل يتحرك وفق خطط مدروسة وميزانيات ضخمة، والواجب الشرعي يتطلب إحداث نقلة نوعية في العقل الدعوي ليعتمد التفكير الاستراتيجي القائم على الرصد والتحليل والمبادرة والبناء الاستباقي.

 

هذا التحول يتسق تمامًا مع المنهج القرآني الشريف الذي يعلمنا إعداد القوة بمفهومها الشامل والواسع؛ كما في قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ} [الأنفال: 60].

 

والقوة الفكرية والتخطيطية والدعوية هي في مقدمة القوى المطلوبة لحماية المجتمعات وصيانة العقول في عصرنا الراهن. ومن الناحية العملية والتطبيقية، ينبغي أن يتضمن التخطيط الدعوي الاستراتيجي عدة خطوات رئيسية:

 

أوّلها: "إنشاء مراصد فكرية وبحثية" متخصصة، تضم علماء شرعيين، وعلماء اجتماع، ونفس، ومتخصصين في الإعلام الرقمي؛ ليتولوا رصد وتحليل الظواهر الفكرية والشبهات الشائعة، ومعرفة مصادرها وتأثيرها على فئات المدعوين المختلفة قبل تفاقمها.

 

والخطوة الثانية هي الانتقال من "خطاب الرد الإيجابي والوقائي" إلى "خطاب البناء والتحصين الذاتي"؛ فالرد على الشبهات لوحده لا يكفي، بل الأهم هو بناء المنظومة الفكرية والعقدية الصحيحة والقيمية لدى النشء بطريقة رصينة وسهلة وجاذبة، تجعل الشاب يمتلك مناعة ذاتية تمكنه من فرز وتفنيد الشبهات تلقائيًّا عند التعرض لها.

 

والخطوة الثالثة والأهم هي "صناعة البدائل الإبداعية والمنافسة الحضارية"؛ فالتخطيط الدعوي المعاصر لا يقتصر على التحذير والمنع والتحريم، بل يمتد لإنشاء وتطوير منصات إعلامية، ومحتويات ترفيهية، وألعاب إلكترونية، ومحاضن تربوية كشافة ورياضية تحمل القيم والفضائل بأساليب إخراجية وفنية فائقة الجودة تنافس المنتج العالمي، وبذلك نقدم للشباب والناشئة المحضن النقي والبديل الراقي الذي يشبع رغباتهم النفسية والاجتماعية دون المساس بهويتهم ودينهم وعقيدتهم الحقة.

 

وهنا نوصي بالآتي:

 

• احرصوا على تدريب وتأهيل جيل من الدعاة الشباب القادرين على فهم لغة العصر، والتعامل مع العلوم الإنسانية المعاصرة بكفاءة واقتدار.

 

• فعلوا الشراكات والتعاون بين المؤسسات الدعوية، والتعليمية، والتربوية، والأسرية لتتكامل الأدوار في حماية الحصن الفكري للمجتمع.

 

• حولوا مخرجات الدراسات والبحوث الفكرية العميقة إلى مواد بصرية ومقاطع قصيرة يسهل تداولها وفهمها من قبل عامة الشباب والفتيات.

 

• اهتموا بفتح لغة الحوار المباشر والآمن مع الشباب، وتقبل أسئلتهم وشكوكهم الفكرية بصدر رحب وعقل مستنير دون ترهيب أو تخوين.

 

اللهم يا من بيده ملكوت كل شيء، ويا هادي القلوب والنفوس، بارك في دعاتنا وموجهينا، وامنحهم الحكمة والرشادة في التخطيط والبناء، واحمِ شبابنا وبناتنا من مضلات الفتن ومن الأفكار الدخيلة والهدامة، واجعل بلادنا واحة للأمن والإيمان والرفعة والاستقرار ورفعة الدين.

 

روابط ذات صلة:

جمود الطرح الدعوي في معالجة الإلحاد المعاصر

كيف نجدد آليات الحوار مع تيارات التشكيك المعاصرة؟

كيف نؤهل أنفسنا لمحاورة المشككين بـعلم وحكمة؟

كيف أتعامل مع ظاهرة الإلحاد الإلكتروني بين الشباب؟

كيف أدعو "الملحدين الجدد" من جيلZ؟