الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : التخطيط الدعوي
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
7 - رقم الاستشارة : 5594
13/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته. أنا شاب في الثلاثين من عمري، أعمل مهندسًا في شركة خاصة، وأحمل همَّ الدعوة إلى الله منذ سنوات. مشكلتي أنني أشعر بأنني ممزق بين عدة التزامات؛ فعملي يتطلب حضورًا يوميًّا من الثامنة صباحًا حتى الخامسة مساءً، وأحيانًا يتطلب ساعات إضافية، وفي المساء أحرص على حضور الدروس العلمية في المسجد، كما أن لي نشاطاً دعويًّا عبر مواقع التواصل، وأحاول أن أكون قدوة في محيط عملي.
لكني أجد نفسي مقصرًا تجاه زوجتي وأولادي، ولا أعطيهم حقهم من الوقت والاهتمام، كما أن صحتي بدأت تتأثر بالسهر وقلة النوم. وفي المقابل، أشعر بالذنب إن قصّرت في جانب من جوانب الدعوة أو العلم، وكثيرًا ما أتساءل: هل ما أفعله صحيح؟ كيف أوازن بين كل هذه المسؤوليات دون أن أخسر شيئًا منها؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، حياكم الله أيها الداعية المبارك، ونفع بكم وبجهودكم
المباركة.
إن ما تعيشه من
صراع داخلي وتوزع بين واجبات متعددة هو واقع يعيشه الكثير من الدعاة المخلصين في
هذا الزمان، وهو شاهد خير على صدق همتك وسعة أفقك، لكنه أيضًا يحتاج إلى وقفة تأمل
وبصيرة، فالموازنة بين العمل والدعوة والأسرة ليست ترفًا، بل هي منهج نبوي رباني،
وسر من أسرار الاستمرار والثبات.
لقد كان نبينا ﷺ
خير قدوة في هذا المجال، فقد كان يقوم على شؤون أهله بنفسه، ويمارس عمله ككسب
للحلال، ويخصص وقته للدعوة والعبادة، وكل ذلك في تناسق عجيب. روى البخاري عن عائشة
رضي الله عنها أنها سئلت: ما كان النبي ﷺ يصنع في بيته؟ قالت: "كان يكون في
مهنة أهله، فإذا حضرت الصلاة خرج".
إن أول ما ينبغي
أن تستصحبه في هذا الميدان هو قاعدة "الأهم فالمهم"، وهو مبدأ دعوي أصيل
تأسس عليه منهج النبي ﷺ في الدعوة، فقد بدأ بالتوحيد قبل تفاصيل الأحكام، وهذا
يعني بالنسبة لك أن تضع أولوياتك بناءً على ما لا يسعك جهله.
ومن أهم تلك
الأولويات: حق الله في عبادته، وحق نفسك في الراحة والصحة، وحق أهلك في الرعاية
والصحبة، وحق عملك في الإتقان، ثم حق الدعوة فيما تبقى من وقت. إن الكثير من
الدعاة يقعون في خطأ "الإفراط الدعوي"، فيستنزفون طاقتهم في النشاطات
على حساب أسرهم وصحتهم، ثم يفاجؤون بالانهيار الجسدي أو النفسي أو الأسري، وهذا
ليس من الحكمة في شيء، وقد أمرنا الله تعالى أن ندعو بالحكمة، والحكمة وضع الأمور
في مواضعها.
إن من أهم
المهارات التي تحتاج إلى تأهيل عليها هي مهارة "إدارة الوقت وتنظيم
الحياة".
يمكنك توزيع وقتك
بشكل عملي كالتالي:
خصص وقتًا ثابتًا
للعبادة وقيام الليل ولو ركعتين، ووقتًا للعلم ولو نصف ساعة يوميًّا بتلاوة مع
التدبر، ووقتاً للأسرة في ساعات المساء قبل النوم، واجعل ما تبقى للنشاط الدعوي،
لكن مع ضرورة تحديد سقف زمني لذلك حتى لا يستنزف باقي وقتك. وإذا شعرت بأن العمل
الوظيفي يستهلك وقتك، فتذكر حديث النبي ﷺ: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم
عملاً أن يتقنه". فأتقِن عملك واجعله عبادة، وكن داعية بالقدوة في محيط
عملك، فهذا من أنجح أساليب الدعوة.
أما بالنسبة
للدعوة الإلكترونية، فأنصحك بتحديد وقت محدد لها، كساعة واحدة في اليوم، وركز على
الجودة لا الكم، وابتعد عن الانجراف خلف الجدال العقيم، فالدعوة الإلكترونية ينبغي
أن تكون موجهة وهادفة، كما يشير إلى ذلك منهج التأهيل المهاري للدعاة الذي يركز
على "مهارات استخدام الإعلام الإلكتروني" بما يضمن الفاعلية دون استنزاف
للوقت والجهد.
وأنصحك ختامًا
بما يأتي:
• خصص يوميًّا وقتًا ولو يسيرًا للراحة
والتسلية المباحة مع أسرتك، فهذا يزيد المحبة ويجدد النشاط، وقد أوصى النبي ﷺ
سلمان الفارسي أبا الدرداء بقوله: "إن لبدنك عليك حقًّا، وإن لأهلك عليك
حقاً، فأعط كل ذي حق حقه" [رواه البخاري].
• لا تتردد في
الاستعانة بزملائك الدعاة لتوزيع المهام، ولا تحاول احتكار العمل الدعوي، فالتعاون
والتكامل من سمات المنهج الدعوي الرشيد.
• احرص على
التجديد في أساليبك الدعوية بين الحين والآخر لتتجنب الملل والرتابة، وتذكر أن
"المرحلية في التأهيل" مبدأ مهم في استمرارية العمل الدعوي.
وأسأل الله أن
يبارك لك في وقتك وعمرك وعملك، وأن يجمع لك بين خير الدنيا والآخرة، ويرزقك القوة
والثبات، والسداد في القول والعمل.
روابط ذات صلة:
كيف يوازن الداعية بين العمل الدعوي ومتطلبات الحياة المعيشية؟
كيف يوازن الداعية بين نشاطه الدعوي وواقعه الشخصي والأسري؟
التوازن في حياة الداعية.. كيف تحقق المعادلة الصعبة؟
الداعية بين منبر الدعوة وحضن الأسرة