<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif"> أنا شاب في الحادية والعشرين من عمري، أواجه أزمة فكرية ونفسية أثرت على التزامي الديني؛ حيث كنت أتردد على الدروس الشرعية والمحاضر الدعوية، وكنت أرى في الدعاة والمربين نماذج مثالية ملائكيّة من خلال كلامهم البليغ عن الصدق، والزهد، والأخلاق، والإيثار.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">لكنني حين اقتربت من كواليس العمل الدعوي واحتككت ببعض هؤلاء الدعاة والمربين في قضايا المال، والإدارة، والتعامل اليومي، صُدمت بوجود فجوة هائلة وتناقض صارخ بين وعظهم على المنابر وسلوكياتهم الواقعية؛ رأيت شحًّا، وأنانية، وحبًّا للرياسة، وسوء خلق في التعامل مع المخالفين، بل وخصومات مادية حادة.<o:p></o:p></span></p> <p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:14.0pt;font-family:"Simplified Arabic",serif">هذه "الصدمة بالقدوة" سببت لي انتكاسة داخلية وجفافًا إيمانيًّا، وبدأت أزهد في حضور الدروس وأشك في صدق الخطاب الدعوي برمته. كيف يستطيع الشباب تجاوز صدمة القدوة والخلط بين الدين وحملته؟ وكيف يعيد الدعاة صياغة منهجهم ليكون قائمًا على دعوة التطبيق والسلوك قبل الكلمات؟<o:p></o:p></span></p>
وعليهم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحباً بك يا بني الغالي وأهلاً بنقدك الصادق ووجعك الإيماني الذي يدل على فكرة حية وبصيرة واعية تطلب الحق وترفض النفاق والزيف.
واعلم -يا بني- أن ما مررت به من "صدمة بالقدوة" هو من أصعب المنعطفات النفسية التي يمر بها الشاب في مسار التزامه، ولكن التوفيق الإلهي يبدأ من إدراكك أن "الدين كامل مطلق، بينما البشر خطاؤون نسبيون"، والخلط بين كمال المنهج الرباني ونقص التطبيق البشري هو فخ إبليسي خطير يسعى من خلاله الشيطان لقطعك عن طريق الهداية والخير بحجة تقصير بعض الدعاة أو زللهم الأخلاقي والسلوكي.
إن الإسلام في جوهره ومنهجه الدعوي يشدد ببالغ القوة على خطورة "انفصام القول عن العمل" وتناقض السلوك مع الكلمات البليغة؛ فالقرآن الكريم يعيب بأشد العبارات على من يأمر الناس بالخير وينسى نفسه،
فقال سبحانه وتعالى في محكم التنزيل: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ * كَبُرَ مَقْتًا عِندَ اللَّهِ أَن تَقُولُوا مَا لَا تَفْعَلُونَ﴾ (الصف: 2-3).
وكان النبي ﷺ يمثل النموذج الأسمى والقدوة المطلقة الحية لقرآنه وتشريعه؛ فلما سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها عن خلقه، قالت كلمات موجزات بليغات: «كَانَ خُلُقُهُ القُرْآنَ» [رواه أحمد ومسلم]؛ أي كان يترجم الآيات والأخلاق والمقاصد إلى سلوك يمشي بين الناس؛ يصدق في المعاملة، ويجود بالمال، ويعفو عند المقدرة، ويحلم على الجاهل، فكانت "دعوة حاله وسلوكه وسيرته" أسرع نفاذًا لقلوب البشر من دعوة مقاله وكلماته، وهذا هو السر العظيم في انتشار الإسلام وتمكين رجاله في الأرض.
إنَّ الداعية أو المربي الذي يعظ الناس ويفشل في تمثل هذا الوعظ في حياته اليومية والمالية يرتكب جناية عظيمة على الدين؛ لأنه يتحول من "مفتاح للخير" إلى "قاطع طريق" يصد الناس عن سبيل الله بأفعاله وسوء خلقه وسلوكه، ويوهم الشباب بأن قيم الإسلام مثالية خيالية غير قابلة للتطبيق الواقعي.
والواجب على الدعاة المعاصرين اليوم أن يعلموا أن "فقه السلوك والمعاملة المالية والأخلاقية" هو الواجهة الحقيقية للدعوة، وأن العوام والشباب يراقبون تصرفات الداعية في السوق والبيت والإدارة أكثر مما يستمعون لخطبته في الجمعة، والنجاح الدعوي الحقيقي لا يُقاس ببلاغة اللسان وحشد الجماهير، بل بنقاء السريرة واستقامة السلوك وعفة اليد واللسان في كواليس الحياة الخفية والمعلنة.
ومن الناحية العملية والتطبيقية لك يا بني لتتجاوز هذه الصدمة، أقترح عليك:
أولاً: "فصل الدين عن الأشخاص فصلاً تامًّا ثابتًا"؛ فاجعل قدوتك المطلقة والمعصومة هو النبي ﷺ وحده، أما من سواه من العلماء والدعاة والمربين فيُؤخذ من كلامهم وفعلهم ما وافق الحق والشرع ويُترك ويُستغفر لهم ما خالف ذلك، ودع عنك كواليس البشر وحساباتهم؛ فكل نفس بما كسبت رهينة.
ثانيًا: ابحث في مجتمعك عن "الربانيين الأخفياء الصادقين"؛ وهم كثر ولله الحمد، وغالبًا لا يحبون الظهور ولا يعتلون المنابر الصاخبة، بل تجدهم في ثغور العطاء الصامت، يخدمون الفقراء، ويعلمون الصغار، ويصدقون في البيع والشراء بوقار وسكينة؛ فالزم غرزهم واقتبس من أنوار سلوكهم الصادق.
ثالثًا: تحول أنت بنفسك إلى "القدوة التي كنت تتمنى رؤيتها"؛ فسد هذا الخلل السلوكي في المجتمع بصدق تعاملك، وأمانتك، وحسن خلقك مع أقرانك وزملائك، لتكون داعية بحالك وسلوكك النقي المبارك.
وأنصحك ختاما بالآتي:
• لا تدع للشيطان ثغرة يزهدك من خلالها في طلب العلم أو حضور مجالس الخير؛ فالنصيحة والحق مقبولان ومطلوبان حتى وإن قصر حاملها في العمل بها، والحكمة ضالة المؤمن أنى وجدها فهو أحق بها.
• ادعُ بالهداية والصلاح للدعاة والمربين الذين رأيت منهم زللاً، وتذكر أنهم بشر يعتريهم النقص، والضعف، والشهوة، والخطأ، وليسوا معصومين من الفتن؛ فاستر عيبهم وانصحهم برفق إن استطعت.
• ركز جهدك وعقلك بالكامل في "إصلاح عيوب نفسك وتزكيتها" بدلاً من الانشغال الدائم بتتبع عثرات وتناقضات الآخرين؛ فكلنا عيوب وللناس أعين وألسن.
وأسأل الله العظيم، رب العرش الكريم، أن يربط على قلبك، وأن يجدد الإيمان في صدرك، ويرزقك السكينة والثبات، وأن يقر عينك برؤية القدوات الصالحين الصادقين، ويجعلك هاديًا مهديًّا، مباركًا مستقيمًا، من حملة الدين المخلصين العاملين بعلمهم وخلقهم.
روابط ذات صلة:
القدوة العملية في زمن التناقض الدعوي
حين تسقط الأقنعة.. خيانة الداعية بين القدوة المعلنة والانحراف الخفي