عقولنا هل تحتاج إلى العزلة في بعض الأوقات حتى تنتعش وتعيد ترتيب أفكارها؟ وكيف أستفيد من العزلة الإيجابية في عافيتي النفسية والعقلية؟
أخي الكريم، العزلة الإيجابية ضرورة لرفاهيتنا النفسية
والعقلية، وكذلك ضرورة أخلاقية أحيانا، ولذا كانت النصائح الدينية والتربوية تنصح
بذلك النوع من العزلة؛ لأنه في ضجيج الحياة وزحام الأصوات وتداخلها، وكثافة
المشاغل والمشتتات، من الصعب أن يستجمع الإنسان قدرته على صفاء الذهن والروح، وكما
يقول الكاتب الإنجليزي الشهير "ألدوس هكسلي": "كلما كان
العقل أقوى وأكثر أصالة، كلما مال أكثر نحو العزلة".
اكتشاف الذات
أخي الكريم، العزلة الإيجابية الاختيارية قد تكون علاجًا
نفسيًّا وصفاء ذهنيًّا، واكتشافًا للذات وقواها الكامنة، إذا استطاع الإنسان
الاستفادة منها، يقول الفيلسوف "نيتشه": "العزلة ضرورية لاتساع
الذات وامتلائها، فالعزلة تشفي أدواءها وتشدد عزائمها"، وهذه الملاحظة
ذات أهمية، فاتساع الذات لا يأتي مع الضغوط والانشغالات، ورحابة النفس والروح تأتي
مع انعزال الإنسان عن الضجيج والمُلهيات والمشتتات.
كان علماء التربية والأخلاق المسلمون ينصحون بالعزلة
وبخاصة لمن أراد أن يسير في طريق العلم والتصوف، يقول "ابن الجوزي" في
كتابه "صيد الخاطر": "ما أعرف نفعًا كالعزلة عن الخلق خصوصًا
للعالم والزاهد، فإنك لا تكاد ترى إلا شامتًا بنكبة، أو حسودًا على نعمة، ومن يأخذ
عليك غلطاتك... فيا للعزلة ما ألذها، سلمت من كدر غيبة، وآفات تصنع،
وأحوال المداجاة وتضييع الوقت".
ومن الطريف أن "ابن الجوزي" اعتبر العزلة نوعًا
من الحمية (الرجيم)، فكما تزيل الحمية الغذائية الدهون والشحوم الزائدة والتي تشكل
عبئًا على الجسد والقلب، كذلك العزلة تزيل الرواسب والزوائد التي ترهق الروح
والنفس وتعكر صفو البال.
ورأت فلسفات أن العزلة ليست هروبًا أو انقطاعًا عن
العالم، وليست انعدامًا للآخر، ولكنها اكتشاف للذات؛
فالعزلة تعيد صياغة علاقتنا بالزمن، وتُحرر الإنسان من ضغوط التوقعات
الاجتماعية، وتتيح له التفكير بحرية للوصول إلى أعمق درجات السلام الداخلي، ولذا
رأى بعض الفلاسفة أن العزلة هي مكان تلتقي فيه العقلانية مع الأخلاق
والذات.
ومع العزلة يُجبَر العقلُ على الحكم على نفسه بنفسه، وأن الإنسان لا يستطيع معرفة نفسه دون فترة من العزلة
المقصودة، وهي فترة تنمو فيها الأفكار، وهي فترة يستطيع فيها العقل التمييز بين
الرغبات الحقيقة والطارئة والموهومة، وهي فترة يتحرر فيها الإنسان من تقليد
الآخرين ليقترب من ذاته بعيدًا عن الأقنعة الاجتماعية والأوهام.
وختاما أخي الكريم، البعض يخشى من العزلة، ويخشى من الانفراد بذاته، ولذا كانت فترة الانعزال
إبان وباء كرونا عالميًّا، معاناة للبعض الذين لم يكونوا يعرفون ذواتهم، وكانوا
يجهلون أنفسهم جهلاً تامًّا، لكن العزلة الواعية تمنح الإنسان بصيرة وعمقًا في
الإدراك والوعي، ولذلك يقال "ان العزلة هي الوجهة الأساسية لفهم الإنسانية
داخلك، وفيها تتشكل المعرفة بالذات".
أخي الكريم، العزلة الإيجابية الواعية، لها تأثيرها النافع على الصحة النفسية والبدنية
للإنسان؛ ولذا يجب أن تمنح نفسك فترة من العزلة بانتظام حتى تستطيع تنظيم مشاعرك
وترتيب أفكارك والتعرف على ذاتك، خلص البروفيسور الأمريكي "سكوت
كامبل" في أبحاثه عن تأثير العزلة على الصحة النفسية أن للعزلة آثارًا إيجابية على الأفراد، فقد وجدوا
أنها تتيح لهم استعادة نشاطهم، والدخول في حالة من الاسترخاء، واكتساب شعور
بالاستقلالية.
موضوعات ذات صلة:
كيف أحقق الصفاء العقلي والروحي؟
هل يصلح الأدب أن يكون بابًا لليقين؟
التأمل لماذا نحتاجه وكيف نمارسه؟