أبلغنا الأطباء أن الجنين الذي أحمله مصاب بمرض وراثي خطير كأشقائه، وعرضوا علينا استخدام تقنية جينية (CRISPR) لتعديل جينات الجنين داخل الرحم وإزالة الجين المعطوب ليولد سليماً بإذن الله؛ فهل هذا التعديل الجيني جائز شرعاً كتداوٍ أم يعتبر تدخلاً وتغييراً لخلق الله؟
الحمد لله وحده،
والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبا
بك أخي الكريم، واعلم حفظك الله ورعاك أن الشريعة الإسلامية الغراء جاءت برعاية
مصالح العباد في العاجل والآجل، وجعلت "حفظ النفس" و"حفظ
النسل" من كليات الدين الخمس الضرورية التي يجب صيانتها. وفي ظل الطفرات
العلمية الهائلة وظهور تقنيات الهندسة الجينية الحديثة مثل تقنية تعديل الجينات،
فتح الله للبشرية أبوابًا جديدة من التداوي ودفع الأمراض المستعصية قبل ولادة
الأجنة، وهو ما استدعى من المجامع الفقهية والمؤسسات الكبرى دراسة هذه النوازل
بعمق لوضع الفواصل الشرعية بين التداوي المشروع وبين العبث بخلط الأنساب وتغيير
خلق الله.
اختصارًا: استخدام تقنية التعديل
الجيني على الجنين داخل الرحم لإزالة الجين المعطوب وعلاجه من المرض الوراثي
الخطير جائز شرعًا ومستحب، وهو داخل في باب التداوي المأمور به وليس من تغيير خلق
الله المحرم، قياسًا على عمليات التجميل التي تتم بعد الولادة للأطفال والكبار
لتعديل عيب أو تشوه خلقي، فعلاجه قبل أن يحدث إن كان ممكنًا أولى.
والعلة في ذلك أن هذا
التدخل الطبي لا يهدف إلى العبث بالصفات الخِلقية أو التحسينية كالحُسن، وطول
القامة، وتغيير لون العينين، وإنما يهدف أصالةً إلى دفع المرض وإصلاح العيب وإنقاذ
حياة الجنين من عاهة مستقرة خطيرة، وهو المقصد الذي دعت إليه الشريعة. ويشترط لجواز
هذه العملية الطبية ثلاثة شروط:
· أن تكون الجينات المستهدفة
بالتعديل هي جينات خلايا جسدية لا تؤدي إلى نقل التعديل إلى الأجيال القادمة عبر
الخلايا التناسلية، منعًا لأي آثار جانبية غير مأمونة العواقب.
· أن يتم التأكد طبيًّا عبر لجنة موثوقة من الأطباء الاختصاصيين من أمان هذه
الخطوة، وتفوق نسبة نجاحها ومصلحتها على أي أضرار محتملة.
· أن يقتصر التعديل على البيئة الزوجية الشرعية القائمة بين الزوج والزوجة
دون أي طرف ثالث أو خلط للأنساب.
أولاً: قرارات المجامع
الفقهية المعاصرة في الهندسة الجينية والتعديل الوراثي:
اتفقت المجامع الفقهية
الدولية على مشروعية استخدام الجينات في الأغراض الطبية والعلاجية، وفرّقت صراحة
بين "العلاج الإيجابي" و"التغيير العبثي".
قرار مجمع الفقه
الإسلامي الدولي المنبثق عن منظمة التعاون الإسلامي: في دورته العاشرة بجدة القرار
رقم 94 / 2 / د10 بشأن الهندسة الوراثية:
"يجوز استخدام
أدوات الهندسة الوراثية في الوقاية من الأمراض أو علاجها، أو تخفيف وطأتها، سواء
أكان ذلك في الخلايا الجسدية أم الأجنة، بشرط ألا يترتب على ذلك أي ضرر يفوق
المصلحة، وأن يكون الغرض علاجيًّا محضًا".
قرار المجمع الفقهي
الإسلامي برابطة العالم الإسلامي: في دورته الخامسة عشرة بمكة المكرمة بشأن
الجينوم البشري والتعديل الجيني:
"يجوز استخدام
تقنيات الهندسة الجينية في المعالجة الطبية للأمراض الوراثية والجسمية، بتعديل
الجينات المعطوبة أو إزالتها؛ لأن هذا من قبيل التداوي وإزالة الضرر، وليس من
التغيير المنهي عنه لخلْق الله، بشرط ألا يُتخذ ذلك وسيلة للعبث بالخلايا
التناسلية التي تورث الصفات للأجيال، تلافياً للمفاسد المتوقعة".
فتاوى من الفقه القديم
في التداوي بإزالة العيوب:
أصل هذا التفريق موجود
في فقه السلف؛ حيث أجازوا التدخل الطبي لإعادة العضو لخلقته الطبيعية السوية ودفع
الألم والتشوه، ومن ذلك ما أخرجه أبو داود والترمذي عن عرفجة بن أسعد: «أنه أُصيب
أنفُه يومَ الكُلابِ في الجاهليةِ، فاتَّخذ أنفًا من وَرِقٍ (فضة) فأنْتَنَ عليه،
فأمَرَهُ النبيُّ ﷺ أن يتَّخِذَ أنفًا من ذهبٍ». فالنبي ﷺ لم يعتبر تركيب أنف
الذهب من تغيير خلق الله، بل اعتبره إصلاحًا لعيب وتداويًا من ضرر.
القواعد الفقهية
الحاكمة:
قاعدة: "الضرر
يُزال"
المرض الوراثي الخطير
الذي يهدد حياة الجنين أو يجعله يولد بعاهة مستعصية هو ضرر محقق ومستقر وقد ثبتت
خطورته في أشقائه سابقًا، وتعديل الجين المعطوب هو وسيلة طبية لإزالة هذا الضرر
قبل وقوعه، وإزالة الضرر مقصد شرعي أصيل.
قاعدة: "الأمور
بمقاصدها"
النية والقصد من وراء
هذا التدخل الجيني ليست المضاهاة لخلق الله أو التكبر والتحسين العبثي، بل المقصد
هو "التداوي والاستشفاء" وإصلاح الخلل، والأعمال تُقاس بمقاصدها
وغاياتها؛ فحيث كان المقصد شريفًا وهو العلاج كانت الوسيلة مشروعة.
قاعدة: "المشقة
تجلب التيسير"
إن ولادة طفل مصاب
بمرض وراثي خطير يترتب عليه مشقة عظيمة ونفقات باهظة وآلام نفسية وجسدية تمتد
للوالدين وللطفل نفسه، وفي مثل هذه الحالات تفتح الشريعة باب التيسير والترخيص
للاستفادة من العلوم المعاصرة لدفع هذه المشقة المتوقعة.
قاعدة: "لا يُزال
الضرر بالضرر"
وهي القاعدة الحاكمة
لشرط الأمان الطبي؛ حيث يُشترط أن تكون تقنية التعديل الجيني آمنة ومجربة لئلا يقع
البشر في ضرر أكبر أو مساوٍ للضرر المراد علاجه كحدوث طفرات جينية عشوائية ضارة،
وهو ما يحدده الأطباء العدول الثقات. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط ذات صلة:
الهندسة الوراثية.. حكمها وضوابط استعمالها