لماذا يشككون في تاريخنا؟

<div>يتجدد كل فترة مساعي من بعض أدعياء الثقافة للتشكيك في أحداث كبرى مستقرة في تاريخنا العربي والإسلامي.. فلماذا هذا الشك وهل هو شك منهجي؟</div>

أخي الكريم، أثار تشكيك بعض أدعياء العلم في وقائع من تاريخنا الكثير من اللغط، حول الحد الفاصل بين "النقد التاريخي" وبين التشكيك في التاريخ نفسه ونفي وقائعه وتكذيب رواياته.

 

فالنقد التاريخي هو منهج يدرس النصوص في ضوء سياقها التاريخي والاجتماعي لفهم أصولها وما تعنيه، ويسعى للتحقق من صحة الأحداث من خلال تفكيك الوثائق وتمحيصها لاستخراج الحقائق، أما التشكيك التاريخي فهو نهج يسعى لتشويه أو إنكار حقائق ثابتة لأغراض سياسية أو ثقافية وشخصية.

 

التشكيك وسوء القصد

 

شكك "يوسف زيدان" المختص في المخطوطات في عدد من الوقائع التاريخية الثابتة، تحت ادعاء العلمية والنقد التاريخي، فادعى أن معركة "عين جالوت" كانت بين المغول والمغول، وانتصر فيها المغول على المغول، كما نفى قصة الفيل، وقدوم الأحباش بقيادة "أبرهة" لهدم الكعبة، وادعى أن سورة الفيل لا تتحدث عن هذه الحادثة أصلاً، بل تشير إلى وقائع أخرى تتعلق بالمكابيين والسلوقيين، والمكابيون هم مملكة يهودية شملت أجزاء من فلسطين والأردن، أما السلوقيون فكانت مملكة عظيمة شملت أجزاء كبيرة من الشام والعراق وإيران وتركيا وأفغانستان، وقد وقع صراع بينهما قبل ثمانية قرون من نزول القرآن الكريم.

 

المهم أن هذه الادعاءات التشكيكية تنتقل من التشكيك في الرواية التاريخية، لتحاصر نصوصًا قرآنية، كما في قصة الفيل التي كانت قبل البعثة النبوية بحوالي أربعة عقود تقريبًا، أي أنها قصة كانت تتوارد في أحاديث أهل مكة، وكانت قريبة العهد من ذاكرتهم، ولذا عندما خاطبهم القرآن بسورة "الفيل" كانوا يعلمون القصة، فلا تزال حكاياتها حية في وجدانهم، كما أن بعضًا ممن شهدها ما زال يعيش بين أظهرهم، لذا كانوا يعرفون ما يخاطبهم به القرآن الكريم.

 

كانت سورة "الفيل" من أوائل ما نزل من القرآن، فقد نزلت بعد سورة "الكافرون" يقول الطاهر بن عاشور: "وقد عدّت سورة الفيل التّاسعة عشرة في ترتيب نزول السّور نزلت بعد سورة {قل يا أيّها الكافرون}"، ومعنى هذا أن أهل مكة كانوا يعرفون الحادثة ولم ينكرونها، كما أن ما يدعيه "زيدان" من أن الحادثة وقعت بين السلوقيين والمكابيين هو نوع من التزييف التاريخي الفج غير العلمي، والذي لا يستند إلى أدي دليل أو برهان سوى أوهام "زيدان" فقط.

 

أخي الكريم، التاريخ الإسلامي يتعرض لعمليات تشويه مستمرة سواء من الاستشراق أو التابعين للمدرسة الاستتشراقية، فالمدرسة الاستشراقية لا تزال تعمل بنفس المنطق والروح والمنهجية، ولكنها غيرت أشخاصها، فبدلاً من المستشرقين الغربين، تم استبدالهم من أشخاص ينتمون إلى العرب والمسلمين مكانيًّا وليس انتماء هوية وثقافة.

 

وحادثة الفيل -على سبيل المثال- سعى عدد من المستشرقين والمؤرخين الغربيين إلى التشكيك فيها بأشكال مختلفة، فمثلاً المستشرق الإسرائيلي "مائير يعقوب كيستر" (المتوفى 2010م) الذي اهتم في دراساته بالمرحلة المبكرة من التاريخ الإسلامي، شكك في الطير الأبابيل، معتبرًا أن ذلك محاولة لإضفاء الصفة الإعجازية على الحادثة وأن فشل الحملة أو انسحاب جيش أبرهة ناتج عن ظروف طبيعية أو عسكرية، كالأوبئة ونقص الإمدادات.

 

وكان المستشرق الفرنسي "كريستيان روبن" الذي حدد حملة أبرهة في حدود (570م) استنادًا لنقوش سبئية وحميرية يمنية، وهو نفس التاريخ الذي تؤكده المصادر الإسلامية، لكن يرى أن القرآن أضفى على الحادث بعدًا إعجازيًّا، وأن فشل الحملة كان لأسباب أخرى.

 

وما شكك فيه زيدان في تكرار لما قاله بعض المستشرقين، وكرره بعض التابعين لهم من محاولة إنكار حادثة الفيل، أو التشكيك في إعجازية ما جرى من تدخل السماء بالطير الأبابيل التي أهلكت هذا الجيش الحبشي، مثل المؤرخ البريطاني "لورنس كونراد" الذي زعم أن تحديد عام الفيل في المصادر العربية يقوم على حسابات غير دقيقة، وأن تحديد حادثة الفيل بعام (570م) لا يستند إلى دليل علمي.

 

وختاما أخي الكريم، التشكيك في التاريخ الإسلامي وأحداثه، عملية قديمة تتجدد باستمرار، وهي جدالات وشبهات طرحها الاستشراق من قديم، ويكررها بعض أدعياء العلم كل فترة، ويجب أن ننتبه إلى حالة الإلهاء الثقافي التي يشنها البعض لإبقاء الفكر الإسلامي في مربع واحد هو الدفاع عن ذاته أمام الأباطيل والزيف.

 

موضوعات ذات صلة:

هل يصلح الأدب أن يكون بابًا لليقين؟

ما هو دور الإعلام في صناعة الفتنة والانقسام؟

لماذا تثار الشبهات حول السنة النبوية؟

ماذا نقصد بالشبهة وهل تختلف عن التساؤل؟

لماذا يقتنع الناس بنبوءات نهاية العالم؟