الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : شبهات وردود
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
147 - رقم الاستشارة : 3580
14/12/2025
هل هناك فارق بين الشبهة والتساؤل؟ وهل إثارة التساؤلات حول القضايا التي لا أستوعبها هو طرح للشبهات؟ أرجو التوضيح.
أخي الكريم، هناك اختلاف كبير بين الشبهة والتساؤل، من حيث الغاية والقصد وطريقة الطرح، فالشبهة ذات قصد تشكيكي يتغيا الفتنة والفرقة، أما التساؤل فهو استكشافي يتغيا المعرفة وإزالة الالتباس والغموض ويسعى إلى الفهم، ولذلك يُقال إن الشبهة سميت شبهة لأنها تشبه الحق، ولذا كان العلامة المسلم "الحسن بن الهيثم" يقول: "والحقائق منغمسة في الشبهات"، أي أن الشبهة غالبًا ما تتخفى في بعض الحقائق وتتمسك ببعض الحق، حتى تتمكن من التسلل إلى وعي الناس وعقولهم.
ما هي الشبهة؟
الشُّبهة تعني أن يكون الأمر فيه لبس بحيث لا يكون حقَّا صافيًا، والشبهة في الشرع "أمرٌ لا يُتيقن حكمه الشرعي"، والشبهة فلسفيًّا هي حاجز معرفي يمنع الوصول إلى اليقين، ومن ثم فهي تحدٍ أمام العقل نظرًا لعدم الوضوح المعرفي.
والشبهة تعني الالتباس والغموض، بحيث يُشتبه الحق بالباطل أو الحلال بالحرام ولا يمكن تمييزه بوضوح، فمن خصائصها الغموض، والالتباس والتداخل بين الحق والباطل أو بين الصحيح والسقيم، وبين الصواب والخطأ.
والشبهة قد تكون مقدمة للفتنة أو إحدى أهم أدواتها، فمن النادر أن ترى فتنة لم تسبقها شبهة، والشبهة تنمو في السياق أو البيئة التي يضعف فيها اليقين، فعندما يضعف اليقين المعرفي وتختلط الأمور وتتشابه ويصعب على العقل التمييز، تتحول بعض المناطق في التفكير إلى بطن رخو تنفذ منه الشبهة لتؤدي دورها الفتنوي، يقول العلامة اللغوي "ابن منظور": "والفتنة إذا أقبلت شَبَّهَتْ على القوم، وأَرَتْهُم أنهم على الحق، حتى يدخلوا فيها ويَرْكَبُوا منها ما لا يحل، وإذا أَدْبرت وانقضت بان أمرها؛ فَعَلِمَ من دخل فيها أنه كان على الخطأ".
والشبهة تثار دومًا في وجه الحق والحقيقة بقصد زعزعة اليقين، وإضعاف الالتزام بالقيم والمعايير، وإيجاد الاضطراب وإضعاف التماسك في الاعتقاد أو الفكرة في منطقه الداخلي أو صلاحيته للتطبيق، أو إضعاف الالتزام به، وتفكيك التماسك الاجتماعي، ولعل هذا بعض من مخاطر الشبهة، ولذا فالواجب يفرض أن يكون هناك تصد دائم للشبهات، وتفنيد لمنطقها الضعيف وإبطال لحججها، وفضح لنواياها ومقاصدها.
التخلص من الشبهة
اعتبر بعض علماء المسلمين أن من أكبر أمراض القلب الشبهة والشهوة، معتبرين أن مرض الشبهة أقوى وأخطر من مرض الشهوة خاصة في مجال العقائد، فيقول "ابن أبي العز الحنفي"، وهو من علماء دمشق في القرن الثامن الهجري، في كتاب "شرح كتاب العقيدة الطحاوية": "مرض الشبهة، هو أردأ من مرض الشهوة، إذ مرض الشهوة يُرجى له الشفاء بقضاء الشهوة، ومرض الشبهة لا شفاء له إن لم يتداركه الله برحمته".
والبعض الآخر طرحوا أساليب لمقاومة الشبهات، منها تنقية وتصفيته باعتباره الآلة التي تدرك تلك الشبهات، وتكتشف حقيقتها وما تستره من ضغينة وحقد، فالقلب إذا تحقق لها الصفاء أدرك ببصيرته الحقيقة بلا رتوش، وأمسك بنواياها المضمرة، ومع تلك الحالة تتضاءل الشبهة وتضعف، ومثال ذلك الشخص القادر على اكتشاف تزييف العملات، فهو لا ينظر إلى التشابه، ولكن ما يشغله هو الحقيقة والاختلاف المستتر بين العملة الحقيقية والعملة المزيفة.
ولذلك نجد -مثلاً- ابن تيمية يعتبر صفاء القلب ذا أهمية في اكتشاف الشبهات وفضحها، فيقول: "لا تجعل قلبك للإيرادات والشبهات مثل الإسفنجة، يتشربها فلا ينضح إلا بها، ولكن اجعله كالزجاجة المصمتة، تمر الشبهات بظاهرها ولا تستقر بها، فيراها بصفائه ويدفعها بصلابته"، فالقلب يحتاج إلى صفاء وصلابة لاكتشاف الشبهة وإبعادها عنه، أما إذا كان إسفنجة تمتص كل ما تسمعه، فإن الشبهات تجد مأواها في قلبه فتستقر فيه.
ونجد أحد علماء السلف في العصر الحديث وهو الشيخ "عبد الرحمن المعلمي" في كتابه "القائد في تصحيح العقائد" يعتبر أن التمسك بالفطرة يساهم في اكتشاف الشبهة، فيقول: "إن حكمة الحق في الخلق اقتضت أن تكون هناك بينات وشبهات، وألا تكون البينات قاهرة ولا الشبهات غالبة، فمن جرى مع فطرته من حب الحق ورباها ونماها وآثر مقتضاها، وتفقد مسالك الهوى إلى نفسه فاحترس منها، لم تزل تتجلى له البينات وتتضاءل عنده الشبهات، ومن اتبع الهوى وآثر الحياة الدنيا، تبرقعت دونه البينات، واستهوته الشبهات".
روابط ذات صلة:
ما هو التحيز وخطورته على الفكر الإنساني؟
شخصية المنافق كيف عالجها علم النفس؟
لماذا يهاجم بعض الدعاة مشروع المقاومة؟
شبهات في الإسلام - بوابة الاستشارات الإلكترونية
ضوابط الرد على الشبهات في التعليقات الإلكترونية وتأثيرها ...
التربية والدعوة ومواجهة الشبهات.. كيف نجمع بينها؟