خطورة الكلمة.. حصائد الألسنة تكب الناس في النار

ما هي الأحكام الفقهية المترتبة على نشر الإشاعات أو التعليقات التي تثير الفتن الطائفية أو العنصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي؟ وهل يضمن الكاتب الآثار التدميرية الناتجة عن كلامه؟

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، وإن وسائل التواصل الاجتماعي المعاصرة قد فتحت آفاقًا واسعة للتواصل، لكنها في الوقت ذاته غدت أرضًا خصبة لنشر الشائعات وإثارة النعرات الطائفية والعنصرية. والشريعة الإسلامية جاءت لحفظ الضروريات الخمس الدين، النفس، العقل، العرض، المال، ووضعت سياجًا منيعًا لحماية المجتمع من التمزق والفتن، وجعلت الكلمة مسؤولية يعاقب عليها الإنسان في الدنيا والآخرة إذا كانت سببًا في الشر والفساد.

 

اختصارًا:

 

• حكم النشر: يحرم تحريمًا قاطعًا نشر الشائعات أو كتابة التعليقات التي تثير الفتن الطائفية أو العنصرية عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويُعد ذلك من كبائر الذنوب وعظائم الآثام.

 

• حكم الضمان والمسؤولية: نعم، يضمن الكاتب والناشر الآثار التدميرية الناتجة عن كلامه. فإذا ترتب على كلامه إتلاف للنفوس أو الأموال، فإنه يتحمل المسؤولية الجنائية والمالية، فضلاً عن الإثم العظيم في الآخرة؛ لأن التسبب في الإتلاف كالمباشرة إذا كان بغير حق.

 

وتفصيلاً: فقد تضافرت نصوص العلماء من مختلف المذاهب الفقهية، قديمًا وحديثًا، على تحريم إثارة الفتن والشائعات، وعلى وجوب ضمان المتسبب في التلف:

 

أولاً: آراء العلماء قديمًا

 

• الإمام النووي الشافعي في كتاب "الأذكار": بيّن خطورة الكلمة ونقل الشائعات، فقال موثقًا حرمة الحديث بكل ما يسمعه الإنسان دون تثبت: "روينا في صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله: «كفى بالمرء كذبًا أن يحدث بكل ما سمع». واعلم أن هذا زجر عن الحديث بكل ما سمع الإنسان، فإنه يسمع في العادة الصدق والكذب، فإذا حدث بكل ما سمع فقد كذب لإخباره بما لم يكن".

 

• الإمام ابن مفلح الحنبلي في "الآداب الشرعية": أكد على حرمة السعي بالفتنة بين المسلمين وإثارة العصبية: "كل من سعى بين اثنين بما يفسد قلوب أحدهما على الآخر، أو يثير ضغينة، أو ينشر عصبية جاهلية، فقد أتى بابًا من أبواب الكبائر؛ لأن الفتنة نائمة لَعَنَ الله من أيقظها".

 

• الإمام ابن عابدين الحنفي في "رد المحتار على الدر المختار": في باب الضمان بالتسبب، أكد الفقهاء أن من تسبب في إتلاف شيء بتحريض أو إثارة فتنة أدت إلى إتلاف مال أو نفس، وكان تسببه ملجئًا أو مؤدياً مباشرة للضرر دون حائل، فإنه يُسأل عن ذلك تعزيرًا وضمانًا.

 

"المتسبب يضمن إذا كان تسببه تعديًا، فمن حفر بئرًا في غير ملكه عُدَّ متعديًا وضمن ما سقط فيه، ومن أثار فتنة بلسانه أو قلمه أدت إلى وثوب غوغاء على أموال الناس، كان آمرًا بالفساد متعديًا".

 

ثانيًا: آراء المجامع الفقهية والعلماء حديثًا

 

• قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي التابع لمنظمة التعاون الإسلامي: في قراره بشأن "وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعي"، أكد المجمع على ما يلي:

 

"يحرم شرعًا استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في نشر الشائعات، أو إثارة النعرات الطائفية والعرقية، أو التحريض على العنف والفساد. وكل من كتب أو نقل منشوراً يترتب عليه ضرر عام، فإنه شريك في الإثم، ويتحمل التبعات القانونية والمالية الناتجة عن جناية يده".

 

• المفتون المعاصرون مثل الشيخ ابن باز والشيخ ابن عثيمين والشيخ وهبة الزحيلي: اتفقوا على أن الكتابة في مواقع التواصل تأخذ حكم النطق بل أشد؛ لأن منشورًا واحدًا قد يقرؤه الملايين في ثوانٍ.

 

ويقول الشيخ ابن عثيمين في "شرح رياض الصالحين": "السيئة المتعدية أعظم من السيئة القاصرة؛ فالذي ينشر شائعة تضر بالأمة أو تثير فتنة، يتحمل إثمها وإثم من عمل بها إلى يوم القيامة".

 

القواعد الفقهية الحاكمة

 

تخضع هذه المسألة لعدد من القواعد الفقهية الكلية والفرعية التي تضبط الأحكام المترتبة عليها:

 

• قاعدة "لا ضرر ولا ضرار": وهي أصل في تحريم كل ما يضر بالفرد أو المجتمع. وإثارة الفتن الطائفية والعنصرية إضرار محض بكيان الأمة، فيكون منعها واجبًا شرعًا.

 

• قاعدة "الضرر يُزال": وتعني وجوب رفع الضرر بعد وقوعه، ومحاسبة المتسبب فيه، وإلزامه بإصلاح ما أفسده إن كان مما يضمن ماليًّا، أو إيقاع العقوبة التعزيرية عليه لمنع تكرار الضرر.

 

• قاعدة "إذا اجتمع المباشر والمتسبب أُضيف الحكم إلى المباشر، إلا إذا كان المتسبب مُلْجِئًا أو متعديًا": في حالة الفتن الإلكترونية، الكاتب هو "المتسبب المتعدي" بتهييج العواطف ونشر الأكاذيب التي تدفع الغوغاء المباشرين للإتلاف. وحيث إن المتسبب هنا كان متعديًا بنشره المحرم، فإنه يتحمل شطرًا من المسؤولية والضمان مع المباشر، خاصة في الأحكام التعزيرية والمالية إن تعذر التضمين من المباشرين.

 

• قاعدة "التسبب في الجناية كالمباشرة في وجوب الضمان إذا كان التسبب عدوانًا": الكاتب الذي يحرض على حرق الممتلكات أو قتل فئة معينة بناءً على عرق أو طائفة، يعد كلامه سببًا مباشرًا في الجريمة، والشريعة تجعل المتعدي بلسانه أو قلمه ضامنًا معنويًّا وماديًّا للآثار التدميرية التي نشأت عن تحريضه. والله تعالى أعلى وأعلم

 

روابط ذات صلة:

مواجهة الداعية للشائعات في وسائل التواصل الاجتماعي

ترويج الشائعات وصناعة الفزّاعات المصطنعة

الموقف الدعوي في التعامل مع الشائعات