الرقمية هل رسخت المادية بين الشباب؟

هل رسخت الرقمية المادية في نفوس الأجيال الجديدة بعدما حولت الحياة إلى لحظة متعة واستهلاك وجعلت الإنسان أسيرا للشاشات لساعات طويلة؟

أخي الكريم، بريق الصورة وجاذبية الإنجاز، وأحلام الرفاهية والاستهلاك، من أبرز ما يجذب الشباب إلى العالم الافتراضي، وهذه معايير مادية بامتياز، والتشابك بين الرقمية والمادية يعد سمة لهذا العصر الذي يشهد طغيانًا ماديًّا ورقميًّا.

 

الرقمية تغذي المادية

 

أخي الكريم، هناك دراسات نفسية وتسويقية ركزت على دور المادية في السلوكيات والنتائج غير المرغوب فيها، مثل الشراء القهري، وانتشار شراء المنتجات المقلدة كنوع من التعويض عن عدم القدرة على شراء المنتجات الأصلية، وهذا أدى إلى تحول التقليد إلى صناعة كبيرة للغاية.

 

والمادية -باختصار- تعني اهتمامًا أعلى بعالم الاستهلاك ورغبات الامتلاك، فهما عنصران مركزيان في الرؤية المادية، والمادية-في الغالب- تنتج سلوكيات وأخلاقيات غير مرغوب فيها، رغم أنها قد تكون ذات ربحية ومتعة، كما أن لها تأثيرًا في انخفاض مستوى الصحة والرفاهية النفسية؛ نظرًا لما تُوجده من تعلق بالأشياء والاستهلاك.

 

أخي الكريم، هناك ارتباط بين الثقافة والرؤية المادية وبين العالم الافتراضي، فقد أدت الرقمية وبخاصة مواقع التواصل الاجتماعي، إلى تفاقم النزعة المادية، وقد خلصت دراسة نشرت عام 2018م عن "المادية بين المراهقين" عن وجود ارتباط بين استخدام المراهقين لمواقع التواصل الاجتماعي وازدياد النزعة المادية، فكلما كانت هناك كثافة في الاستهلاك الرقمي، زادت النزعة الدنيوية.

 

هذه النزعة الدنيوية أخذت حيزًا من المشروع الفكري للفيلسوف المغربي الدكتور طه عبد الرحمن، ورأى أن هذه النزعة تعني فصل الدين عن الحياة، وجعل الدنيا هي الغاية القصوى للإنسان، وتحويل الظواهر والنواميس الكونية إلى قوانين طبيعية تتحرك بطريقة آلية، وهذه الدنيوية تفرغ العمل الإنساني من أبعاده الروحية والقيمية والأخلاقية.

 

وفي دراسة أخرى نشرت عام 2025م في جامعة المنصورة بمصر عن الارتباط بين استخدام مواقع التواصل الاجتماعي والتطلعات المادية لدى الشباب، خلصت إلى مجموعة من الاستنتاجات يجب الانتباه إليها؛ لأنها تحذر من أن العصر القادم هو عصر تغلغل القيم المادية؛ نظرًا لأن أكثر من 98% من الشباب لديهم هواتف ذكية، ويقضون ساعات طويلة كل يوم أمام شاشات هواتفهم، وهذا الوقت يعيد تنشئتهم وهيكلة أفكارهم ورؤاهم للحياة، ومن هذه الخلاصات:

 

- أن الرقمية تغذي روح المقارنة، وهو ما يستدعي القيم المادية الاستهلاكية ويغذي روح الاستهلاكية والشراء؛ نظرًا لأن الكثير مواقع التواصل الاجتماعي بثت فكرة اقتران السعادة بالشراء والاستهلاك، وهذا ما يغذي النزعة المادية في نفوس الشباب.

 

- كثافة استخدام الرقمية غرس روح عدم الرضا والتمرد في نفوس الكثير من الشباب، وهذه النزعة تستدعي السخط وقلة الشكر، ليس لقلة ما يمتلكه الشاب من أشياء، ولكن لعدم الرضا عما في يديه لأنه نظر إليه مقارنة بما لدى الآخرين، وهو ما أدى إلى ازدياد الحسد والغيرة والحقد.

 

- أن الرقمية غذت ارتباط السعادة بقيم مادية مثل مواصفات الجسد والمظهر ونوعية المنتجات المستهلكة، وهذا أدى إلى انخفاض الثقة بالنفس، وهو انخفاض منبعه المعايير المادية وليس القيم الإنسانية.

 

تغير المعرفة

 

أخي الكريم، إن تغير الثقافة والمعرفة ينعكس في تغير القدوة، وربما هذا ما نبه إليه الدكتور عبد الوهاب المسيري في كتابه "العلمانية الجزئية والشاملة" عن ترسخ نموذج القدوة السيئة في المجتمعات الحديثة؛ نظرًا لأن تلك القدوات نابعة من الرؤية المادية للحياة والإنسان والوجود؛ فالمادية تختزل الإنسان في بعد واحد هو الجسد، وتبحث عن إشباعه وإمتاعه.

 

يقول المسيري: "يُلاحظ في المجتمعات العلمانية الحديثة الترويج لنماذج بشرية مختلفة يكمن وراءها نموذج الإنسان الوظيفي: أحادي البعد، الذي تم اختزاله إلى مبدأ واحد، وتم تجريده من كل خصائصه الإنسانية المركبة المتعينة، بحيث يمكن تعريفه في إطار وظيفته التي يضطلع بها".

 

وقد أكدت دراسات أن استخدام مواقع التواصل الاجتماعي يرتبط بالنزعة المادية لدى الشباب، وتزيد المخاطر على الصحة النفسية للشاب مع ازدياد تأثير المؤثرين في الفضاء الرقمي على الكثير من الشباب، حيث تزيد نسبة المقارنة وبخاصة من هؤلاء المؤثرين، وبالتالي تتعمق لديهم النظرة المادية للحياة، خاصة أن الغالبية من هؤلاء المؤثرين أصبحوا يروجون لمنتجات معينة بعدما لجأت إليهم الشركات والعلامات التجارية لتحفيز الاستهلاك.

 

موضوعات ذات صلة:

لماذا يلجأ الشباب للتفكير التبريري؟

هل تقف الرقمية وراء سخطنا على أجسادنا؟

لماذا تضخم الرقمية إحساسنا بالمعاناة؟

لماذا تكثر الشكوك الوجودية في مرحلة الشباب؟

هل الرضا يمنحنا قوة نفسية؟

هل تحتاج عقولنا إلى قيمة الرضا؟