كيف نتعامل دعويًّا مع ظاهرة التفكك الأسري بين الشباب؟

<p class="MsoNormal" dir="RTL" style="margin-bottom:0cm;text-align:justify; line-height:normal;direction:rtl;unicode-bidi:embed"><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا إمام مسجد وأحتكّ يوميًّا بالشباب، وقد لاحظت في السنوات الأخيرة ازدياد المشكلات الأسرية بينهم بصورة مؤلمة؛ فكثير منهم يعيشون في بيوت يغيب فيها الحوار والرحمة، وبعضهم يعاني من طلاق الوالدين أو القسوة أو الإهمال، حتى إنني أجد أثر ذلك واضحًا على سلوكهم واستقرارهم النفسي وعلاقتهم بالدين</span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt; font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><span dir="LTR"></span><span dir="LTR"></span>.<br> </span><span lang="AR-SA" style="font-size:16.0pt;font-family:&quot;Simplified Arabic&quot;,serif">وأحيانًا أشعر أن بعض الشباب لا يحتاج فقط إلى موعظة، بل إلى احتواء إنساني وشعور بالأمان والانتماء، لكنني أتساءل: كيف يمكن للداعية أن يعالج هذه الجراح الأسرية دون أن يتحول إلى مجرد مستمع للمشكلات؟ وكيف نستثمر المنهج الدعوي في إعادة بناء الروابط الأسرية وتقوية النفوس؟</span><span dir="LTR" style="font-size:16.0pt;font-family: &quot;Simplified Arabic&quot;,serif"><o:p></o:p></span></p>

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، بارك الله فيك أيها الإمام المبارك، وجعل حرصك على الشباب سببًا للهداية والإصلاح، فإن من أعظم القضايا التي تواجه المجتمعات اليوم أزمة التفكك الأسري وما ينتج عنها من اضطرابات نفسية وسلوكية وفكرية، حتى أصبحت كثير من الانحرافات الحديثة مرتبطة بشكل أو بآخر بغياب الاستقرار العاطفي داخل الأسرة.

 

ومن المهم أن يدرك الداعية أن الإنسان إذا افتقد الرحمة والاحتواء في بيته فقد يبحث عنهما في طرق خاطئة أو علاقات مضرة أو جماعات منحرفة أو عالم افتراضي يسرق قلبه وعمره. ولهذا فإن الخطاب الدعوي المعاصر لا ينبغي أن يقتصر على تصحيح الأحكام فقط، بل يجب أن يلامس الاحتياجات الإنسانية العميقة للناس.

 

والنبي ﷺ كان يبني الإيمان بالرحمة قبل القسوة، وبالاحتواء قبل الزجر، ولذلك أحبه الناس واطمأنوا إليه. وقد وصفه الله تعالى بقوله: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللَّهِ لِنتَ لَهُمْ﴾. فاللين الصادق يفتح القلوب المغلقة، خاصة عند الشباب الذين يحملون جراحًا داخلية لا يبوحون بها بسهولة.

 

ومن الوسائل المهمة في معالجة هذه الظاهرة أن يتحول المسجد إلى بيئة آمنة يشعر فيها الشاب بالاحترام والتقدير، لا إلى مكان محاسبة دائمة أو توبيخ مستمر. فالكلمة الطيبة، والابتسامة، والسؤال عن الأحوال، والاهتمام الحقيقي؛ كلها وسائل دعوية عظيمة قد تغيّر نفسية الشاب أكثر من المواعظ الطويلة.

 

كما أن الداعية يحتاج إلى مهارة (الاستماع الواعي)، فكثير من الناس لا يجدون من يسمع لهم بصدق. وليس المطلوب أن تحل جميع المشكلات بنفسك، لكن مجرد احتواء الإنسان وتوجيهه بلطف قد يكون بداية إصلاح كبيرة في حياته.

 

ومن الحكمة كذلك ربط الشباب بالمعاني الإيمانية التي تعالج الفراغ الداخلي؛ كمعنى القرب من الله، والسكينة بالصلاة، والأمل بعد الألم، لأن الإيمان الصحيح يمنح الإنسان قدرة على تجاوز كثير من الأزمات النفسية والاجتماعية. وقد قال تعالى: ﴿أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾.

 

وحاول أيضًا أن تقدم برامج دعوية أسرية عملية، لا تقتصر على الكلام النظري، مثل: دورات في مهارات الحوار الأسري، أو لقاءات للشباب والآباء، أو أنشطة جماعية تعيد بناء جسور الثقة داخل البيوت. فالدعوة الناجحة اليوم هي التي تتحول إلى حلول واقعية تلامس الحياة اليومية للناس.

 

ومن المهم ألا يُشعِر الداعية الشاب بأنه (حالة فاشلة) بسبب ظروفه الأسرية، بل ينبغي أن يبث فيه معنى الأمل والمسؤولية الشخصية، فكم من إنسان خرج من بيئة مضطربة ثم أصبح صالحًا نافعًا بسبب هداية الله ثم وجود من يحتويه ويرشده.

 

ولا تنسَ أن بعض المشكلات العميقة قد تحتاج إلى تعاون مع مختصين نفسيين أو أسريين، فالداعية الحكيم يعرف حدود دوره، ويستفيد من الخبرات المختلفة لخدمة الناس بصورة أفضل.

 

ونسأل الله أن يصلح أحوال الأسر المسلمة، وأن يجبر قلوب الشباب والفتيات، وأن يجعل بيوتنا عامرة بالمودة والرحمة، وأن يوفق الدعاة والمربين ليكونوا أسبابًا للسكينة والإصلاح والهداية.

 

روابط ذات صلة:

هل هناك علاقة بين الرقمية والتفكك الأسري؟

كيف هددت الحداثة مفهوم الأسرة؟

شيطنة الأبوة .. وتفكيك الأسرة

التفكك الاجتماعي في عالم الإنترنت الفسيح

لماذا تحولت بيوتنا إلى جزر منعزلة؟!

كيف يعالج الداعية الاغتراب الأسـري وفجوة الأجيال في العصر الرقمي؟