هل هناك علاقة بين الرقمية والتفكك الأسري؟

هل أوجدت الرقمية أزمة أسرية فتصبح لكل شخص في الأسرة عالمه الخاص ولم تعد المائدة تجمع أفراد الأسرة هل أدت الإنترنت إلى قطيعة أسرية؟

أخي الكريم، الرقمية تغير حياتنا وعلاقتنا ونومنا ويقظتنا، فهي تعيد تشكيل الإنسان وفق منطقها وطبيعة الوسيط الرقمي، لكن تأثيرها في مجال الأسرة كان عميقًا؛ إذ أوجدت قدرًا من التفكك في العلاقات حتى ولو اجتمع الأفراد معًا جسديًّا في مكان واحد، إذ يمسك كل واحد منهم بهاتفه الذكي منفصلاً عن محيطه مستغرقًا في العالم الافتراضي.

 

الرقمية والتواصل الأسري

 

أخي الكريم، ما يحقق التماسك في الأسرة هو مجموعة من القيم المتوارثة منذ بداية الخلق، مثل: التربية والتنشئة والرعاية والتواصل والتساند والتراحم، وهذه القيم ما جعل الأسرة المكون الأهم في تنشئة الإنسان، والمؤثر الأهم في حياته وتكوينه.

 

ورغم أن الرقمية لم يزد عمرها على عقدين من الزمان، فإنها استطاعت إحداث تغيرات عميقة وواسعة في الأسرة، فقلصت الكثير من القيم التي ترتكز عليها الأسرة وأهمها التواصل الذي كان يحتل المكان الأبرز في الأسرة، من حيث التوجيه والبوح بالمعاناة والمشكلات والدفء في الحديث الذي كان يغلف العلاقة الأسرية في أوقات متعددة ومن بينها وقت تناول الطعام الذي كان يعيد ترميم تلك العلاقة وتقويتها.

 

في كتابها "استعادة المحادثة: قوة الكلام في العصر الرقمي" تذكر مؤلفته عالمه النفس "شيري توركل" أن ما أسمته "المساحة المقدسة" في الأسرة وهي وقت تناول الطعام، كان يتيح قدرًا معتبرًا في إمكانيات الحديث والتواصل بين أفراد الأسرة، إلا أن الرقمية استحوذت عليه من خلال الهواتف الذكية، وقالت: "إن مجرد وجود الهاتف يشير إلى أن انتباهك منقسم، حتى ولو لم تكن تنوي ذلك"؛ فالأفراد مستغرقون في الشاشات، ويرغبون في ألا يقطع هذا الاستغراق أي مثير خارجي حتى ولو كان أحد من أفراد الأسرة التي ينتمون إليها، وتؤكد "توركل" أن هناك انخفاضًا في التفاعل وجهًا لوجه داخل الأسرة، ووصفت هذا الانخفاض بأنه "وباء" نظرًا لانتشاره الواسع، فالهاتف يقلل التعاطف الإنساني.

 

أخي الكريم، الكلام هو نوع من العلاجي النفسي والعاطفي داخل الأسرة، وتحويل الأسرة إلى علاقة صامتة هو إهدار لإحدى القيم المهمة التي تحقق التمساك، فبدون الكلام تتحول العلاقة الأسرية إلى علاقة أجساد متجاورة بلا رابط من التعاطف والتراحم، هذا المعنى أكدته "توركل" بقولها: "الكلام هو أكثر ما نقوم به إنسانيةً داخل الأسرة، فعندما نكون حاضرين تمامًا لبعضنا البعض، نستمع ونتعلم.. هنا ننمي قدرتنا على التعاطف... هنا نختبر متعة أن يُستمع إلينا، وأن نُفهم، وكما أن الحوار يعزز التأمل الذاتي، فتلك المحادثات مع أنفسنا تُعد حجر الزاوية في النمو المبكر وتستمر طوال الحياة".

 

أخي الكريم، مشاهدتنا في الحياة تؤكد أن المحادثات داخل الأسرة تراجعت للغاية، وتكاد أن تنحصر في الأمور التي لا يمكن الاستغناء عنها، وفي دراسة بعنوان "تراجع التفاعل الأسري المباشر في العصر الرقمي"، قالت الدراسة إنه "في كثير من الأسر، باتت التقنيات التي صُممت لتحسين التواصل مرتبطة بانخفاض التفاعل المباشر، وتشتت الانتباه، وتراجع التقارب العاطفي".

 

وخلصت الدراسة إلى أن "النتائج تُظهر وجود صلة وثيقة بين الاستخدام المكثف للأجهزة الرقمية وقصر مدة المحادثات المباشرة وقلة جدواها، وكثرة استخدام الأجهزة، وانخفاض مستوى التفاعل العاطفي خلال الوقت الذي تقضيه العائلة معًا، حيث تميل الفئات العمرية الأصغر، وخاصة "جيل زد" إلى قضاء وقت أطول على الإنترنت، وغالبًا ما تُفضل التفاعلات الرقمية على المحادثات المباشرة".

 

وتشير دراسات ميدانية في عدد من الدول إلى أن الرقمية أثرت سلبًا على التواصل داخل الأسرة، ومن ذلك دراسة أجريت في إسبانيا ذكرت أن 68% من الإسبان يعتقدون أن الرقمية أضرت بالتواصل الأسري؛ نظرًا لقلة الوقت التي يخصص للتواصل داخل الأسرة مقارنة بالوقت الذي تستحوذ عليه الرقمية في حياة أفراد الأسرة.

 

وفي دراسة عن تأثير الرقمية في المجتمع الماليزي، ذكرت أن الماليزيين من أكثر الشعوب المستهلكين للرقمية، حيث يقضون ما متوسطه تسع ساعات مع الرقمية، وهذا ينعكس على جوانب متعددة في حياتهم، ومنها الجانب الأسري، وذكرت دراسة أن 29% من المراهقين الماليزيين تم تصنيفهم على أنهم يعانون من إدمان الإنترنت، وهو ما يرتبط بضعف التواصل الأسري وزيادة التوتر.

 

وختامًا أخي الكريم، يجب أن ننتبه جميعًا إلى التأثير السلبي للإفراط في استخدام الرقمي على جوانب أساسية في حياتنا، ولعل أهمها التواصل الأسري، ذلك التواصل الذي يشبه "الأسمنت" الذي يُمسك بأفراد الأسرة ويجعل منهم بنيانًا متراصًا.

 

موضوعات ذات صلة:

كيف هددت الحداثة مفهوم الأسرة؟

شيطنة الأبوة .. وتفكيك الأسرة

التفكك الاجتماعي في عالم الإنترنت الفسيح

لماذا تحولت بيوتنا إلى جزر منعزلة؟!

كيف يعالج الداعية الاغتراب الأسـري وفجوة الأجيال في العصر الرقمي؟