الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
1 - رقم الاستشارة : 4971
05/06/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، خالتي كانت بتلاعب طفلة صغيرة بتقولها كلمة فيها لوم أو تبكيت على الدنيا، أو كلمة لا أذكرها بس مش حلوة وبتقولها: (كذا الدنيا واللي عملها) وكررتها أكثر من مرة وأنا سكت، ومعلوم أن صانع الدنيا أو خالق الدنيا هو الله.
أنا أعلم أنها أكيد لا تقصد الله، هي حافظة للقرآن وملتزمة بس خانها التعبير.
أنا اللي مخوفني أنا سكت، هل عليَّ شيء؟؟ غير أني الآن أشعر أني وقتها ضحكت على كلامها هل أنا وقعت في الكفر بسكوتي وبضحكي؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته،
ومرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على تواصلك معنا، ومشاركتنا ما يدور في صدرك، مما يدل
على طهارة قلبك، ويقظة ضميرك، وحرصك الشديد على دينك وعلاقتك بالله سبحانه وتعالى،
أسأل الله أن يبارك في عمرك، وأن يربط على قلبك، وأن يثبتك على طاعته، وأن يصرف عنك
وساوس الشيطان وهواجسه، وأن يملأ حياتك طمأنينة وراحة بال، وبعد...
فإن الخوف الشديد من الوقوع في
الذنب أو الكفر هو في حقيقته علامة من علامات الإيمان الحقيقي. فقد جاء بعض
الصحابة -رضوان الله عليهم- إلى النبي e يشكون من مخاوف ووساوس
تشبه ما تمرين به، فقالوا: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به، قال:
«وقد وجدتموه؟» قالوا: نعم، فقال: «ذاك صريح الإيمان» [رواه مسلم]. ومعنى «صريح
الإيمان» أن هذا الخوف والكره الشديد لهذه الخواطر هو الدليل الواضح على خالص الإيمان.
حُكم
ما تلفظت به خالتك
إن الكلمة التي قالتها خالتك
-عفا الله عنها- تدخل في باب «سب الدهر»، وإن المدبر للدهر والموجد له والمتصرف
فيه هو الله سبحانه وتعالى، فالسب في الحقيقة يكون إلى الخالق عز وجل، والعياذ
بالله. وفي الحديث القدسي يقول الله تبارك وتعالى: «يؤذيني ابن آدم، يسب الدهر،
وأنا الدهر، بيدي الأمر، أقلِّب الليل والنهار» [رواه البخاري].
ولكن، هناك لفتة مهمة جدًّا ذكرتِها
في سؤالك: «هي حافظة للقرآن وملتزمة، بس خانها التعبير». فالإنسان قد تجري على
لسانه كلمة قبيحة بحكم العادة الدارجة في المجتمع، دون أن يقصد حقيقتها أو معناها
الكُفري. والشرع المطهر لا يؤاخذ الإنسان على ما جرى على لسانه خطأ دون قصد القلب؛
ويشهد لذلك قصة الرجل الذي ضاعت ناقته في الصحراء وعليها طعامه وشرابه، فلما وجدها
من شدة الفرح قال: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك»، قال النبي e معقبًا على قصته: «أخطأ من شدة الفرح» [رواه
مسلم]. فلم يكفره النبي e؛ لأن قلبه لم ينعقد
على الكفر، وإنما خانه التعبير. يقول الله تعالى: ﴿وَلَيْسَ عَلَيْكمْ جُنَاحٌ
فِيمَا أَخْطَأْتُم بِهِ وَلَٰكن مَّا تَعَمَّدَتْ قُلُوبُكمْ﴾ [الأحزاب: 5].
هل
كفرتِ بسكوتك وقتها؟
الجواب القاطع والواضح الذي
أرجو أن تطمئن به نفسك تمامًا: لا، لم تقعي في الكفر مطلقًا بسكوتك.
إن إنكار المنكر واجب على
المسلم حسب استطاعته وقدرته، كما جاء في الحديث الشريف: «من رأى منكم منكرًا
فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان» [رواه
مسلم].
وعندما سمعتِ خالتك تقول هذا
الكلام، ربما أصابتك دهشة، أو غلبك الحياء لأنها أكبر منك سنًّا ومقامًا وحافظة
للقرآن، فلم تسعفك الكلمات للإنكار اللفظي. في هذه الحالة، ما دام قلبك كارهًا
ومستنكرًا لهذا اللفظ، فقد أديتِ الحد الأدنى من الواجب وهو الإنكار بالقلب. والسكوت
الناتج عن الحياء أو المفاجأة مع كراهية الفعل بالقلب قد يكون تقصيرًا في النصيحة؛
لكنه ليس كفرًا أبدًا. فالكافر هو من يرضى بالكفر ويستحسنه ويفرح
به، وأنت أبعد ما تكونين عن ذلك.
حكم
ضحكك على كلامها
تخوفك من أنك ضحكتِ وقتها هو
المدخل الأساسي الذي يستغله الشيطان ليقذفك في وادٍ سحيق من الوساوس ليحزنك ويقطعك
عن العبادة. ولكن في كثير من الأحيان، عندما يحدث موقف غريب أو مفاجئ، ربما يضحك الإنسان
تلقائيًّا دون وعي، نتيجة الصدمة أو عدم الاستيعاب، أو ربما كنت تضحكين مع الطفلة
الصغيرة وبسبب ملاعبة خالتك لها، ولم يكن الضحك استهزاءً بالله -عز وجل- أو رضًا بما
قالته خالتك.
إن الكفر يشترط فيه القصد التام والتعمد
الواضح، كما قال -تعالى- في المنافقين الذين قصدوا الاستهزاء: ﴿قُلْ أَبِاللَّهِ
وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كنتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ * لَا تَعْتَذِرُوا قَدْ كفَرْتُم
بَعْدَ إِيمَانِكمْ﴾ [التوبة: 65 و66]. أما الضحك غير الواعي الذي لا يُقصد به
الاستخفاف، أو الضحك المنبعث من ملاعبة الطفلة، فليس كفرًا.
يا ابنتي، إن الشيطان يريدك
الآن أن تظني أنك كفرت ليقول لك: لا فائدة من صلاتك ولا دعائك، وهذا هو عين
الخذلان. فاطردي هذه الفكرة فورًا، فإيمانك ثابت، ولم يزل بإذن الله وفضله.
كيف
تتجاوزين هذه الأزمة؟
لكي تتجاوزي هذه الأزمة أضع
بين يديك هذه الخطوات العملية:
- إغلاق باب الوساوس نهائيًّا: القاعدة الفقهية تقول:
«الـيقين لا يزول بالشك». إيمانك يقين، والشك في الكفر مجرد وهم. فلا تلتفتي
للوراء، ولا تعيدي التفكير في الموقف. فكلما خطرت لك الفكرة، استعيذي بالله من
الشيطان الرجيم وقومي لأي عمل نافع.
- التدريب على النصيحة مستقبلًا: تدربي على الإنكار اللطيف
والذكي إذا تكرر أمامك مثل هذا الموقف من أي شخص. مثلًا، يمكن بابتسامة لطيفة
ممتزجة بالاحترام أن تقولي لخالتك: «يا خالتي العزيزة، أنت قدوتنا وتحفظين القرآن،
وهذه الكلمة لا تليق بلسانك الطيب، والرسول نهانا عن هذا». هذا الأسلوب يحمي
العقيدة ويحفظ الود.
- الاستغفار العام والدعاء
للخالة: بدلًا
من جلد ذاتك، استغفري لنفسك، وادعي لخالتك بظهر الغيب أن يغفر الله لها زلات
لسانها. قال تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [هود: 114].
- طلب العلم الشرعي: إن القراءة في كتب العقيدة
التي تتحدث عن سعة رحمة الله، وعن المسائل التي يُعذر فيها بالجهل أو الخطأ، تمنحك
حصانة فكرية ضد أي وساوس مستقبلية.
وختامًا يا ابنتي، إن الله
رحيم ودود، يعلم ما في القلوب، ولا يؤاخذ عباده بالخواطر ولا بزلَّات اللسان غير
المقصودة، فكيف بقلب يرتجف خوفًا وحبًّا وتعظيمًا له -سبحانه- كقلبك؟ كوني مطمئنة،
وانبذي هذا الهم؛ فقد برئت ذمتك، وصحَّ إيمانك بيقين بفضل الله ورحمته.
أسأل الله أن يشرح صدرك، وأن ييسر أمرك، وأن يثبِّت قلبك على دينه. وصلِّ اللهم وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.