هل شعور الأرملة باحتياجها لرجل يقدح في إيمانها؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : وساوس وشكوك
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 454
  • رقم الاستشارة : 3356
23/11/2025

أنا أرملة منذ سنتين، فقدت زوجي بعد رحلة طويلة من المعاناة، ومنذ ذلك الوقت وأنا أعيش وحدي مع أولادي في ظروف صعبة.

أحيانًا يسيطر عليّ شعور مؤلم: أظن أن اكتمالي وسعادتي لا يمكن أن تتحقق إلا بوجود رجل في حياتي.

أخاف أن يكون هذا الاعتقاد نوعًا من الشرك الخفي، لأنني أقول في نفسي إن الرجل هو الذي يطعمني ويسقيني، وإذا مرضت فهو الذي يأخذني إلى الطبيب، وكأن رزقي وحياتي متوقفة عليه.

الإجابة 23/11/2025

مرحبًا بك أختي الكريمة، وأشكرك جزيل الشكر على ثقتك بنا، وعلى صراحتك وشفافيتك في طرح ما يجيش في صدرك. أسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يرحم زوجك رحمة واسعة، وأن يبارك لك في ذريتك، وأن يرزقك القوة والعون، وأن يغنيك بفضله عمن سواه، وأن يربط على قلبك، وأن يجبر كسرك، وأن يجعل لك من كل همٍّ فرجًا ومن كل ضيقٍ مخرجًا، وبعد...

 

بين الفطرة والوسواس

 

بدايةً، دعينا نفرق بين أمرين مهمين جدًّا يختلطان عليك الآن: «الاحتياج الفطري» و«الوسواس العَقَدي».

 

إن ما تشعرين به من حاجة لرجل في حياتك هو أمر فطري وطبيعي جدًّا، وليس عيبًا ولا نقصًا في الدين. فالله -سبحانه وتعالى- خلقنا أزواجًا، وجعل المودة والرحمة والسكن بين الرجل والمرأة آية من آياته. قال تعالى: ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكم مِّنْ أَنفُسِكمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾ [الروم: 21].

 

فالشعور بالنقص أو الحاجة إلى «السند» أو «الشريك» بعد رحيل الزوج، خصوصًا مع وجود أعباء الأولاد، هو شعور إنساني بحت. إن المرأة جُبلت على الأُنس بالرجل، والرجل جُبل على الأُنس بالمرأة، وهذا ليس قدحًا في التوكل على الله؛ بل هو بحث عن «الأسباب» التي سخرها الله لنا في هذه الحياة، وأمرنا بالسعي لاكتسابها لتحقيق ما نرجو.

 

أما خوفك من أن يكون هذا «شركًا خفيًّا»، فهو دليل على قوة إيمانك، ولكنه في الوقت نفسه «وسواس» يحاول الشيطان أن يُحزنك به.

 

إن قولك في نفسك: «الرجل يطعمني ويسقيني ويأخذني للطبيب» هو تعبير مجازي عن «السبب» وليس عن «المسبب». فأنت تعلمين يقينًا في قرارة نفسك أن الله هو الرزاق، ولكن الزوج هو الذي يسعى ويكد (سبب). وتعلمين أن الله هو الشافي، ولكن الزوج هو الذي يقود السيارة للمستشفى (سبب).

 

ولو أن إنسانًا يحتاج إلى الماء أمسك بكوب ماء وقال: «هذا الكوب هو حياتي، لولاه لمت عطشًا»، هل نعتبره مشركًا؟ لا، لأنه يقصد أن الماء (السبب) الذي في الكوب هو وسيلة الحياة التي خلقها الله. وأنت كذلك، ترين في الزوج الوسيلة التي سخرها الله للحماية والرعاية.

 

أختي الكريمة، الرزق بيد الله وحده، والزوج كان مجرد «ساعٍ» يوصل رزق الله إليك. عندما توفي زوجك –رحمه الله- توفي «الساعي»؛ لكن «المرسل» (الله جل جلاله) حي لا يموت، وخزائنه ملأى لا تنفد. يقول الله تعالى: ﴿وَفِي السَّمَاءِ رِزْقُكمْ وَمَا تُوعَدُونَ * فَوَرَبِّ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: 22-23].

 

وفي الحديث القدسي العظيم، يقول الله تعالى: «يا عبادي! لو أنَّ أوَّلَكم وآخرَكم وإنسَكم وجِنَّكم قاموا في صعيدٍ واحدٍ فسألوني، فأعطيتُ كلَّ إنسانٍ مسألتَه، ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقصُ المِخْيَطُ إذا أُدْخِلَ البحرَ» [رواه مسلم].

 

في هاجَر القدوة:

 

تأملي معي قصة السيدة هاجر، زوجة نبي الله إبراهيم -عليهما السلام- حين تركها في وادٍ غير ذي زرع، ومعها رضيعها، ولا يوجد رجل ولا أنيس ولا طعام. قالت له: «آلله أمرك بهذا؟»، قال: «نعم». فقالت بلسان الواثقة بربها: «إذن لا يضيعنا».

 

لم تقل: «من سيطعمني؟ من سيحميني؟»؛ بل علَّقت قلبها برب الأسباب. فماذا كانت النتيجة؟

 

لم يرسل الله لها طعامًا فقط، بل فجَّر لها «زمزم» التي يشرب منها الناس إلى يوم القيامة، وجعل الأفئدة تهوي إليها، وجاءت قبيلة كاملة لتسكن بجوارها وتؤنس وحشتها. فالله استبدل لها بفقد الزوج (مؤقتًا) أمنًا ورزقًا وماءً ومجتمعًا كاملًا.

 

 هل تفكيرك في الزواج خطأ؟

 

جزء من معاناتك قد يكون شعورك بالذنب لأنك تفكرين في الزواج أو تتمنين وجود رجل، وربما تشعرين بأن هذا خيانة لذكرى زوجك الراحل.

 

وهنا يجب أن نوضح:

 

الإسلام دين واقعي، يحترم الحاجات النفسية والجسدية للمرأة. ليس من الدين أن تعذبي نفسك بالوحدة إن كنت محتاجة إلى الزواج وقادرة عليه.

 

إن الصحابة الكرام والتابعين لم يكونوا يتركون الأرملة تبقى وحدها طويلًا.

 

انظري إلى أم سلمة -رضي الله عنها- كانت تحب زوجها حبًّا جمًّا، ولما مات حزنت عليه حزنًا شديدًا، ولكنها استرجعت وقالت الدعاء الذي علَّمها إياه رسول الله ﷺ: «اللهم أجرني في مصيبتي وأخلف لي خيرًا منها». كانت تقول في نفسها: «ومن خير من أبي سلمة؟». ولكن لأنها لجأت لله، رزقها الله بمن هو خير منه، رزقها برسول الله ﷺ زوجًا لها، فصارت أمًّا للمؤمنين.

 

والخلاصة: شعورك بأن حياتك ستكون أفضل بوجود زوج صالح هو شعور صحيح ومشروع. الزوج الصالح سكن، ومعين على تربية الأولاد، وحصن للمرأة. وكذلك تفكيرك هذا ليس شركًا، بل هو بحث عن سنة الله في الكون.

 

 علاج المخاوف وتصحيح المسار

 

حتى يرتاح قلبك وتتخلصي من تأنيب الضمير، وتتحرري من هذا الخوف، أنصحك بالخطوات التالية:

 

1. جددي نيتك وتوكلك:

 

قولي في دعائك: «اللهم إني أبرأ من حولي وقوتي إلى حولك وقوتك. اللهم إن كنتُ أتمنى زوجًا فليس لأنني أعتقد أنه الرازق؛ بل لأنه نعمة من نعمك وسكن لروحي، فارزقني الزوج الصالح الذي يعينني ولا يفتنني».

 

2. لا تحصري الرزق في «الرجل» فقط:

 

الله قد يرزقك برجل يكفيك المؤونة، وقد يرزقك بوظيفة، أو بميراث، أو بمشروع ناجح، أو بأبناء بررة يكبرون ويحملون عنك العبء. لا تضيقي واسعًا، ولا تحصري فرج الله في باب واحد (وهو باب الزواج)، بل اطرقي باب الزواج، واطرقي سائر الأبواب، والقلب معلق بمُفَتِّح الأبواب، سبحانه.

 

3. عدم التردد:

 

إذا تقدم لك من ترضين دينه وخلقه، ويقبل بوضعك وأولادك، فلا تترددي بحجة الوفاء للزوج الأول أو الخوف من كلام الناس. الوفاء الحقيقي هو أن تكوني عفيفة، سعيدة، قوية، لتربي أبناءه بأفضل حال. وإن كان الزواج سيعينك على ذلك، فهو نعم القرار.

 

4. املئي فراغك الروحي:

 

أحيانًا يضخِّم الشيطان حاجتنا للبشر عندما يجد فراغًا في الروح. زاحمي هذا الشعور بالأنس بالله. قال تعالى: ﴿أَلَيْسَ اللَّهُ بِكافٍ عَبْدَهُ﴾ [الزمر: 36].

 

كلما شعرتِ بالوحشة، توضئي وصلي ركعتين وناجي ربك: «يا رب، أنا أمَتك الضعيفة، كن لي أنيسًا وجليسًا، ودبِّر لي أمري فإني لا أحسن التدبير».

 

وختامًا أختي الفاضلة، اطمئني تمامًا، لستِ مشركة، ولستِ على خطر عظيم كما يوهمك الشيطان. أنت امرأة مؤمنة مكلومة، فقدت السند البشري، ومن الطبيعي أن تشعر بالوهن والحاجة، فلا تجلدي ذاتك بسببه.

 

الرجل في حياة المرأة سكن وقوامة، وطلبك لهذا السكن هو طلب مشروع. فقط اجعلي يقينك أن الزوج (إن وجد) هو يد الله التي تمتد لك بالرعاية، وليس إلهًا من دون الله.

 

أسأل الله أن يصب عليك الخير صبًّا، وأن يرزقك من حيث لا تحتسبين، وأن يقر عينك بصلاح أبنائك، وإن كان في الزواج خير لك، أن يسوق إليك الزوج الصالح التقي النقي عاجلًا غير آجل.

 

روابط ذات صلة:

بين وفاء الأرملة ورغبتها بالزواج.. مفاهيم مغلوطة

أرملة خمسينية... تريد الزواج ويمنعها أبناؤها وكلام الناس

الأرملة وفرصة الزواج الثاني

الرابط المختصر :