الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
162 - رقم الاستشارة : 3441
29/11/2025
أنا طالب بالجامعة ومتربي في بيت محافظ ولله الحمد، وأحب ديني مرة. بس لي شهرين صايرة تجيني وساوس قوية وشكوك تخوف عن وجود الله وعدله، تطب علي فجأة وأنا أصلي أو قبل لا أنام.
أحاول أطردها وأتعوذ من الشيطان، بس ترجع لي وتحسسني إني منافق وإن الله ما راح يقبل مني لا صرف ولا عدل. سؤالي: هل مجرد إن هالأفكار تدور براسي يعني إني كفرت وطلعت من الملة؟ وشلون أثبت قلبي قدام هالشكوك؟
تكفون ساعدوني، تراني في هم وعذاب نفسي ما يعلم به إلا الله.
مرحبًا بك يا ولدي، وبارك الله فيك، وأسأل الله العلي القدير أن يثبِّت قلبك على دينه، وأن يُذهب عنك كل سوء وشر، وأن يُلهمك الرشد والصواب، وأن يرفع عنك هذا الهم والبلاء، وبعد...
فهم الوساوس الإيمانية:
إن ما تعانيه يا ولدي هو وسوسة إيمانية أو شكوك قهرية، يبثها الشيطان في النفس المؤمنة ليفسد عليها صفاء إيمانها.
وكونك تشعر بالخوف والفزع والهم الشديد بسبب هذه الأفكار، وكونك تحاول جاهدًا دفعها وطردها، فهذا دليل صريح على سلامة قلبك وقوة إيمانك، وليس دليلًا على الكفر أو النفاق كما يوسوس لك الشيطان. ولو كنت قد رضيت بهذه الأفكار وسكنت إليها، لمَا شعرت بكل هذا الألم والضيق.
الخوف والنفور دليل الإيمان
إن مجرد ورود هذه الأفكار والوساوس في رأسك لا يُخرجك من الملة، ولا يعني أنك كافر أو منافق على الإطلاق، بل على العكس تمامًا. فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: جاء ناس من أصحاب النبي ﷺ فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به. قال: «وقد وجدتموه؟» قالوا: نعم. قال: «ذاك صريح الإيمان» [رواه مسلم].
وفي رواية أخرى: قالوا: يا رسول الله، إن أحدنا يجد في نفسه ما أن يخر من السماء أحب إليه من أن يتكلم به. فقال: «ذاك صريح الإيمان» [رواه مسلم].
وقال العلماء إن معنى «ذاك صريح الإيمان» ليس معناه أن الشك نفسه هو الإيمان؛ بل معناه أن كراهيتك وخوفك ونفورك الشديد من هذه الأفكار وعدم استقرارها في قلبك هو الإيمان الخالص الصريح. فالشيطان لا يوسوس إلا لمن يئس من إغوائه بالمعاصي والشهوات، فيأتي إليه من باب الشك في العقيدة ليُفسد عليه أصل دينه.
العلاج النبوي للوساوس:
هذا الشعور الذي يوسوس لك بأنك منافق ولن يُقبل لك صرف ولا عدل، هو من كيد الشيطان ليُدخلك في دوامة اليأس والقنوط. وقد وضع لنا النبي ﷺ العلاج الشافي لهذه المشاعر.
فعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله ﷺ: «لا يزال الناس يتساءلون حتى يقال: هذا خلق الله الخلق، فمن خلق الله؟ فمن وجد من ذلك شيئًا فليقل: آمنت بالله ورسله» [رواه مسلم]. وفي رواية: «فمن وجد ذلك فليقل: آمنت بالله، ولينتهِ» [رواه أبو داود].
ومعنى «ولينتهِ»: أي ليقطع التفكير في الأمر فورًا، ويُعرض عن الاسترسال فيه، ويتوجه إلى ذكر الله أو أي عمل آخر.
تخيل أن لصًّا حاول دخول بيتك (وهو قلبك)، ولكنك أغلقته في وجهه وأطلقت عليه الحراسة. هذا الوسواس هو مجرد محاولة اقتحام فاشلة من إبليس. فخوفك دليل على أن باب الإيمان مُحكم الإغلاق في وجهه، فاحمد الله على هذا الخوف!
كيفية تثبيت القلب أمام هذه الشكوك:
لتثبيت قلبك يا ولدي أمام هجمات الشك، عليك اتباع برنامج علاجي ووقائي، يجمع بين الجانبين الإيماني والسلوكي:
أولًا- العلاج الإيماني:
- معرفة المصدر: إن علمك بأن هذه الوساوس من عمل الشيطان الرجيم الذي يقصد إيذاءك وإدخال الحزن عليك، وليس من قلبك أنت، يسهِّل عليك محاربتها. يقول جل وعلا: ﴿إِنَّمَا النَّجْوَىٰ مِنَ الشَّيْطَانِ لِيَحْزُنَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَيْسَ بِضَارِّهِمْ شَيْئًا إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ﴾ [سورة المجادلة: 10].
- الاستعاذة والدعاء: داوم على الاستعاذة بالله من الشيطان الرجيم بمجرد ورود الفكرة. وتذكر قوله تعالى: ﴿وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ ۖ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾ [سورة الأعراف: 200]. واستعن بالدعاء الذي أمرنا به الله: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً ۚ إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [سورة آل عمران: 8].
- لزوم الذكر والطاعة: املأ وقتك بالطاعات والعبادات والأذكار والقرآن، فذِكر الله حصن منيع، قال جل وعلا: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ ۗ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [سورة الرعد: 28].
- التفكر في آيات الله: عندما يوسوس لك الشيطان حول وجود الله أو عدله، ادفع الوسواس بالتفكر في عظمة الخَلق، وفي دقة الكون وتنظيمه، وفي نِعم الله التي لا تُحصى عليك. يقول سبحانه: ﴿إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ لَآيَاتٍ لِّأُولِي الْأَلْبَابِ﴾ [سورة آل عمران: 190]. وتذكر أن عدل الله مطلق، وأن عقولنا قاصرة عن إدراك حكمة كل شيء.
ثانيًا- العلاج السلوكي:
عليك يا ولدي أن تُعالج هذه الوساوس بالتجاهل التام. لا تُناقش الوسواس ولا تسترسل معه. فبمجرد أن ترِد الفكرة، اعمل بنصيحة النبي ﷺ، وقل فورًا: «آمنت بالله ورسله»، أو: «لا إله إلا الله»، ثم انتقل مباشرة لعمل ما عليك من واجبات، أو غيرها من الأعمال النافعة.
وبما أنك طالب جامعي، استغل فترة إجازتك أو وقت فراغك في القراءة عن العقيدة الإسلامية الصحيحة، وعن أدلة وجود الله، وعن أسماء الله الحسنى وصفاته (كالحكمة والعدل)، واستمع لمحاضرات العلماء الثقات المتخصصين. فالعلم نور يطرد ظلام الجهل والشكوك.
وختامًا يا ولدي، أسأل المولى -عز وجل- أن يُنزل على قلبك السكينة والطمأنينة، وأن يملأه نورًا ويقينًا، وأن يجعلك من عباده المخلصين الذين قال فيهم مخزيًا الشيطان اللعين: ﴿إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾ [سورة الحجر: 42].
روابط ذات صلة:
أنقذوني.. الوساوس تداهم إيماني