هل كتمان المشاعر والأسرار يضر بطاقتنا النفسية؟

هل تحميل النفس والعقل قدرًا كبيرًا من الأسرار له تأثير سلبي على الإنسان؟ وهل كتمان المشاعر الدائم يضر بطاقتنا النفسية؟

أخي الكريم، بعض الفضائل إذا زادت عن حدها تتحول إلى رذائل، فالإفراط في الفضيلة يخرج الفضيلة عن غايتها لتصبح شيئًا ضارًا؛ ولذلك كان يقال "الفضيلة وسط بين رذيلتين"، وإذا نظرنا إلى الحفاظ على الأسرار وضبط بعض المشاعر وكتمانها، فإن ذلك لا شك فضيلة كبيرة، لكن إذا خرجت عن طور الاعتدال تحولت إلى كبت، وفتحت الباب أمام أمراض بدنية وتشوهات نفسية مؤلمة.

 

يقول المؤرخ الكبير "ول ديورانت" في كتابه الشهير "قصة الحضارة": "تنظم الأخلاق في شكلٍ ثلاثي، يكون الطرفان الأول والأخير فيهما تطرف ورذيلة والوسط فضل أو فضيلة، وهكذا يكون بين الكتمان والثرثرة فضيلة الأمانة".

 

الاختباء المزمن

 

يكتم بعض الناس مشاعرهم كتمانًا كاملاً، فلا ترى على وجوههم ولا في نبرات أصواتهم أي شيء مما يكتمونه في نفوسهم، وقد يعد هذا الأمر فضيلة في حدود معينة تتحملها النفس، لكن إذا زاد هذا الكتمان عن حد التحمل تحول لحالة مرضية قد تلغي مشاعر الإنسان وانفعالاته، وقد تصيبه بالكبت، وما يترتب عليه من معاناة، أو يُصاب بحالة من التبلد والبرود العاطفي وتلاشى أي انفعال أو تأثر مع ما يحدث حوله.

 

الاختباء المزمن وإخفاء المشاعر أحد أشكال الكبت الذي يضر بالإنسان، ولذا يقال إن الإسراف في الكتمان هو الطريق الأسوأ للتعامل مع الذات، فهو يُخيل للناس أن سطح الإنسان، مثل سطح المحيط هادئ لا موج فيه، ولكن الأعماق مرعبة مما يدور فيها من صراعات وتوتر وقلق ومعاناة، وهي حالة تشبه النزيف الداخلي، فهو ذو خطر كبيرة رغم أن أعراضه الظاهرة غير موجودة.

 

وهناك فارق بين الكبت والكتمان، فالكبت: عملية "لا شعورية" يقوم فيها العقل "بدفن" الذكريات أو المشاعر المؤلمة بعيدًا عن الوعي، أما الكتمان فهو عملية "شعورية أي واعية، يقرر فيها الشخص بإرادته إخفاء مشاعره أو تأجيل التعامل معها، وهو ما يوصف بـ "النزيف الداخلي".

 

ورغم أن كلا المسلكين ذو تأثير سلبي على الصحة النفسية والبدنية، فإن الكبت يعني أن المشاعر المدفونة تعود للظهور في لحظة معينة، أما الكتمان فيعني أن الانفجار والاحتراق النفسي قد يحدث عند فقدان القدرة على التحمل أو عدم القدرة على المضي في الكتمان.

 

ومشكلة الكتمان أنه يرهق العقل من كثرة التفكير، ومن حالة الصراع النفسي بين الإفشاء عما يدور في النفس وكتمان تلك المشاعر، تأتي المضار من عدد مرات التفكير في ذلك السر وتلك المشاعر المخفية، وهو إرهاق نفسي وعقلي وخاصة عندما يكون الإنسان منفردًا بذاته؛ إذ تصعد المشاعر المكتومة في نوبات من الغضب المنفرد أو الهذيان بكلمات الحقيقة المخفية في النفس.

 

وربما الأخطر في الكتمان، هو أنه باعتباره مشاعر حاضرة في الوعي الإنساني، وليس مختبئة في حنايا النفس، فإن الصراع يتسبب في إجهاد مزمن للعقل، ويدفع تفكير الإنسان للدوران في حلقة مغلقة من الصراع ما بين انفلات تلك المشاعر، وما بين إلجامها بقيود قوية لتبقى حبيسة النفس.

 

وفي دراسة علمية نشرت عام 2013، قام بها عالم النفس الأمريكي "بنجامين تشابمان" أكد أن كتمان المشاعر يؤدي إلى الوفاة المبكرة، حيث قام بتلخيص (22) دراسة في المجال، وأكدت أن الذين يكبتون مشاعرهم أكثر عرضة للإصابة بالأمراض الخطيرة ومن بينها السرطان وارتفاع ضغط الدم؛ لأن الدماغ يعاني من ضغط فيرسل إشارات سلبية إلى جميع أعضاء الجسم.

 

كيف أنجو من الاحتراق؟

 

أخي الكريم، مقاومة الاحتراق النفسي نتيجة كتمان المشاعر تعتبر ضرورة إنسانية حتى ينهض العقل من قيوده ويعود لممارسة أدواره المتعددة، ومن بينها التفكير، ولعل من النصائح التي يمكن اقتراحها لتخفيف حدة هذه المعاناة ما يلي:

 

* التأقلم مع المخاوف والحقائق: جزء كبير من دوافع الكتمان ترجع إلى الخوف المفرط، ففي بعض الأحيان الطالب الذي قد يحصل على درجات متواضعة أو حتى يرسب في سنة دراسية يكتم ذلك عن والديه خوفًا من نتيجة الإفصاح عن الحقيقة، أو كتمان أحد طرفي العلاقة الزوجية بعض المعلومات التي قد تخدش الصورة التي يسعى لتثبيتها عند الطرف الآخر.

 

كل ذلك يجعل الكتمان أمرًا صعبًا، وبالتالي فالمخرج من ذلك المصارحة المعقولة لتخفيف حدة الصراع الداخلي، والاعتراف بالحقيقة والتأقلم معها، فقد يكون -مثلا- أحد طرفي العلاقة الزوجية ذا قدرات مالية أقل من الطرف الآخر، أو أحد أفراد عائلته ليس شخصًا جيدًا، ويضطر للكتمان حفاظًا على استمرارية العلاقة، وفي هذه الحالة تنشأ الأزمات من احتمالية انكشاف الحقيقة، فيظل يعاني نفسيًّا وذهنيًّا.

 

*البوح المنضبط أو الفضفضة المعقولة: هذه الآلية إذا تم الاعتدال في استخدامها، من الممكن أن تؤدي إلى تفريغ شحنات الألم والغضب المكبوت وتجنب الآثار المرعبة للكتمان، لذلك ينظر إلى تلك الآلية كنوع من التحسن المؤقت، لكن لابد من مراعاة الاعتدال، وأن ينتقي الشخص من يتحدث إليه، والموضوعات التي يتحدث فيها، وحجم الأسرار والمشاعر التي لن يخفيها، حتى لا يتحول البوح إلى سلاح ضده.

 

موضوعات ذات صلة:

لماذا تضخم عقولنا بعض مخاوفنا؟

كيف يشكل المجتمع شخصية أبنائه؟

كيف تؤثر متوالية الزجاج المكسور في تكرار العنف؟

القلق لماذا أصبح سمة الإنسان المعاصر؟