هل يُفضَّل الزواج من بكر دائمًا؟ وهل في الشرع نهي عن الزواج من الثيّب؟ سمعت أن النبي ﷺ سأل جابر بن عبد الله: «أبكرًا أم ثيبًا؟» وقال له: «فهلا بكرًا»، وفي المقابل تزوج النبي ﷺ من خديجة بنت خويلد وكانت ثيّبًا… فهل في ذلك تعارض؟ وهل الأفضل دائمًا الزواج من بكر؟ وهل مكروه شرعًا الزواج من مطلقة أو أرملة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلا بك أخي الكريم، هذه التساؤلات تلامس جانبًا مهمًّا من الفهم الصحيح للسنة
النبوية، حيث يقع الكثيرون في الخلط بين "الأفضلية النسبية" وبين
"الحكم الشرعي العام".
وإليك
بيان ذلك مفصلاً:
النبي
ﷺ تزوج ثيبًا وطلب من جابر أن يتزوج بكرًا أليس هذا تعارضًا؟!
اختصارًا: لا
يوجد في الشرع نهي ولا كراهة عن الزواج من الثيب مطلقة كانت أو أرملة، بل هو أمر
مشروع ومستحب إذا وُجدت فيه المصلحة. تفضيل البكر في بعض الأحاديث هو إرشاد لغالب
أحوال الشباب لتحقيق كمال الأنس والاستمتاع، لكنه ليس قاعدة مطردة؛ فقد يكون
الزواج من الثيب أفضل في حالات معينة، كما في قصة جابر بن عبد الله، وكما في فعل
النبي ﷺ. والعبرة دائمًا بصلاح الدين والخلق وتحقيق المودة ودرء الفتنة عن الزوج
والزوجة كليهما.
أولا:
تخريج الأحاديث الواردة في السؤال
*
حديث جابر بن عبد الله: هو حديث صحيح متفق عليه رواه البخاري
ومسلم. وفيه أن النبي ﷺ قال لجابر: «أتزوجتَ؟» قال: نعم، قال: «أبِكرًا أم ثيِّبًا؟»
قلتُ: بل ثيِّبًا، قال: «فهلا جارية بِكرًا تُلاعبها وتُلاعبك، وتُضاحكها
وتُضاحكك».
*
زواج النبي من خديجة: ثابت في السير والصحاح أنها كانت ثيبًا
تزوجت قبله برجلين، وكان عمره ﷺ حينها خمسة وعشرين عامًا، وهي كانت أسنّ منه، وعاش
معها أجمل أيام حياته ولم يتزوج عليها حتى ماتت.
أقوال
العلماء في شرح الحديث:
أوضح
الشراح كالحافظ ابن حجر في "فتح الباري" والنووي في "شرح
مسلم" أن قول النبي ﷺ لجابر «فهلا بكرًا» ليس أمرًا واجبًا ولا تشريعًا عامًّا،
بل هو:
1. مراعاة لحال جابر: فقد
كان جابر شابًّا صغيرًا، فظن النبي ﷺ أن الأنسب له بكر لتقاربهما في السن وحصول
كمال المودة.
2. بيان للأصل في النكاح: وهو طلب الأنس والاستمتاع، والبكر غالبًا ما تكون
أفرغ قلبًا أما الثيب فقد تكون أشد تعلقًا بزوجها الأول.
3. إقرار النبي لقرار جابر: لما ذكر جابر العلة وهي القيام على أخواته
اليتيمات، قال له النبي ﷺ: «أصبتَ» أو «بارك الله لك»، وهذا يدل على أن اختيار
الثيب لمصلحة راجحة هو الفعل الصواب.
أقوال
العلماء في حالات تفضيل الثيب والبكر
فرق
العلماء بين حالتين:
*
تفضيل البكر: يُستحب في الغالب للرجل الذي لم يسبق له الزواج، طلبًا
للمودة، ولأنها لم تذق غيره فلا تقارن بينه وبين غيره، وهذا من مقاصد السكن النفسي.
*
تفضيل الثيب: يكون أفضل في حالات منها:
O أن يكون الرجل محتاجًا لمن تقوم على شؤون أولاده أو أخواته كما فعل
جابر رضى الله عنه.
O أن تكون الثيب ذات خلق ودين وجمال يفوق البكر المتاحة.
O أن يقصد الرجل إعفافها أو جبر خاطرها كأن تكون من عائلته أو لها معه
قرابة، وهذا فيه أجر عظيم.
O الفعل النبوي: تزوج النبي ﷺ خديجة ثيبًا
لمكانتها وعقلها، وتزوج سودة بنت زمعة أرملة ليجبر كسرها، بينما لم يتزوج بكرًا
إلا عائشة رضي الله عنها. وهذا ينفي أي كراهة في حق الثيب.
العبرة
بما يعف الرجل ويدرأ عنه الفتنة
القاعدة
الفقهية تقول: "المصالح تختلف باختلاف الأشخاص والأحوال". الهدف
من الزواج هو السكن، والمودة، والرحمة، وإعفاف النفس. فإذا وجد الرجل في امرأة ثيب
مطلقة أو أرملة من العقل، والدين، والجمال، ما يجعله يعفّ نفسه ويستقر قلبه، فهي
في حقه "أفضل" من بكر قد لا تحقق له ذلك. والدين لم يضع "قالبًا
جامدًا" بل وضع معايير مرنة أهمها: فاظفر بذات الدين تربت يداك.
والعقل
أيضًا يقرر هذا ويؤيده، فإذا تزوج الخلق كلهم أبكارًا، فمن للمطلقة والأرملة، بل
إن مجمل مقاصد الشريعة يمنع من هذا، فلو تركت كل المطلقات والأرامل بلا أزواج
لكانت مفسدة عظيمة للرجال والنساء على السواء.
وللإجابة
عن تساؤلاتكم بشكل مباشر نقول وبالله التوفيق:
1. هل يُفضل الزواج من بكر دائمًا؟ لا، ليس دائمًا. الأفضلية
"نسبية" تتبع المصلحة. البكر تفضل في "أصل التأسيس" لغير صاحب
الحاجة، والثيب تفضل لصاحب الحاجة وللمصالح الاجتماعية والدينية.
2. هل في الشرع نهي عن الزواج من الثيب؟ أبدًا، بل فعل ذلك النبي ﷺ
وصحابته الكرام بكثرة، ولم يُنقل حرف واحد ينهى عن ذلك.
3. هل هناك تعارض بين حديث جابر وزواج النبي من خديجة؟ لا تعارض. حديث
جابر كان "إرشادًا" لشاب أعزب في مقتبل العمر ليرغبه في كمال المودة،
وفعل النبي مع خديجة كان "بيانًا" لجواز وميزة الزواج من المرأة العاقلة
الناضجة ولو كانت ثيبًا.
4. هل مكروه شرعًا الزواج من مطلقة أو أرملة؟ بل هو من السنة والمروءة،
خاصة إذا قصد الرجل سترها أو إعالة أيتامها. من يعتقد الكراهة فقد أخطأ، بل إن
وصفها بـ "الكراهة" قد يدخل في باب تحريم ما أحل الله أو تقبيح ما حسّنه
الشرع. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: