إجهاض الجنين المشوه.. أخذ بمخرجات العلم أم فرار من قدر الله؟

زوجتي حامل وعند الكشف بالأشعة أخبرنا الأطباء أن الجنين مشوه، وسوف يعاني جدًّا في حياته إن كتبت له الحياة وكانت نصيحتهم أن يتم إجهاض الجنين رحمة به وبأهله من المعاناة، فهل الإجهاض في هذه الحالة يعد تهربًا من قدر الله؟ وهل نأثم إذا أخذنا بنصيحة الأطباء علما بأن الأطباء غير مسلمين وليس عندهم مفهوم الحلال والحرام بل يتركون الخيار للأم والأب؟ أفيدونا بالحكم الشرعي أفادكم الله.

الحمد لله، وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً بك أخي الكريم، ونسأل الله أن يربط على قلوبكم، ويخلف عليكم بالخلف الصالح، ويعينكم في هذا الابتلاء الصعب. هذه المسألة من النوازل الطبية التي بحثها الفقهاء بعناية، موازنين بين حرمة الجنين وبين دفع الضرر والمشقة.

 

اختصارًا: فقبل 120 يومًا يجوز الإجهاض إذا ثبت بتقرير طبي موثوق أن التشوه جسيم وغير قابل للعلاج، وذلك دفعًا للمشقة والضرر عن الجنين وأهله، ولا يعتبر هذا تهربًا من القدر، بل أخذًا بالرخص الشرعية.

 

بعد 120 يومًا (نفخ الروح): يحرم الإجهاض تحريمًا باتًّا مهما بلغت شدة التشوهات؛ لأن الجنين أصبح نفسًا بشرية كاملة الحقوق، ولا يباح إسقاطه إلا في حالة واحدة وهي وجود خطر محقق على حياة الأم.

 

وإليك التفصيل الفقهي للمسألة:

 

1. آراء العلماء القدامى

 

في العصور السابقة، لم يكن العلم قد وصل إلى تقنيات كشف تشوهات الجنين بدقة؛ لذا كانت الأحكام تدور حول مراحل نمو الجنين (قبل نفخ الروح وبعده):

 

جمهور الفقهاء (مالكية، وشافعية، وحنابلة): ذهبوا في الجملة إلى تحريم الإجهاض منذ استقرار النطفة في الرحم، وشدد المالكية في ذلك جدًّا.

 

الحنفية وبعض الشافعية والحنابلة: أجاز بعضهم الإجهاض قبل نفخ الروح (أي قبل 120 يومًا) لعذر قاهر، واعتبروا أن حاجة الأم أو تضررها عذر مبيح، لكنهم لم يتطرقوا لمسألة "التشوه" لعدم وجود وسيلة لمعرفته حينها.

 

وأجمع العلماء القدامى على أن الجنين إذا نفخت فيه الروح (بعد 120 يومًا) فلا يجوز إنهاء حياته أبدًا؛ لأنه أصبح نفسًا بشرية محترمة، وقتله يعد قتلاً للنفس إلا إذا كان في بقائه خطر محقق على حياة الأم.

 

2. آراء العلماء المعاصرين

 

مع تطور الطب وظهور أجهزة الفحص للأجنة، انقسمت آراء المعاصرين إلى اتجاهين:

 

الاتجاه الأول (المنع): يرى بعض العلماء أن التشوه "قدر من الله" واختبار للصبر، وأن الإجهاض بسببه هو نوع من الاعتراض على قدر الله أو خوف من الرزق والمشقة، ويحرمون ذلك سواء قبل نفخ الروح أو بعده، ما لم يهدد حياة الأم.

 

الاتجاه الثاني (الجواز بشروط): يرى فريق كبير من العلماء أنه إذا ثبت يقينًا (بتقرير لجنة طبية موثوقة) أن التشوه خلقي خطير وغير قابل للعلاج، وأن الجنين سيعاني معاناة شديدة أو يموت فور ولادته، فيجوز إجهاضه قبل نفخ الروح (120 يومًا) دفعًا للمشقة غير المعتادة عن الأهل والجنين.

 

3. قرارات المجامع الفقهية

 

استقرت المجامع الفقهية الكبرى على قرارات مفصلة تعتبر هي المرجع الأساسي في هذه النوازل:

 

أ- قرار مجمع الفقه الإسلامي (رابطة العالم الإسلامي - مكة المكرمة):

 

في دورته الثانية عشرة المنعقدة عام 1410هـ، صدر القرار التالي: إذا كان الحمل قد بلغ 120 يومًا، ونفخت فيه الروح، فلا يجوز إسقاطه بحال من الأحوال مهما كان التشوه، إلا إذا ثبت بتقرير طبي أن بقاء الجنين يشكل خطرًا مؤكدًا على حياة الأم.

 

أما إذا كان الحمل قبل 120 يومًا، فيجوز إسقاطه إذا ثبت بتقرير لجنة طبية من المختصين الثقات أن الجنين مشوه تشويهًا خطيرًا غير قابل للعلاج، وأن حياته ستكون آلامًا ومأساة عليه وعلى أهله.

 

ب- قرار هيئة كبار العلماء في السعودية (القرار رقم 140):

 

أكدت الهيئة على نفس التفصيل: فالمنع البات بعد نفخ الروح، والجواز قبل نفخ الروح (الأيام الـ 120 الأولى) بشرط أن يكون التشوه جسيمًا بتقرير طبي مختص، مع التأكيد على أن الإجهاض في هذه الحالة ليس تهربًا من القدر، بل هو أخذ بالأسباب الشرعية لدفع الضرر قبل وقوعه.

 

ج- قرار مجمع الفقه الإسلامي الدولي (منظمة التعاون الإسلامي):

 

أيد هذا التوجه، وشدد على ضرورة التأكد من أن الأطباء المشخصين هم أهل خبرة وأمانة، وأن "الخيار للأبوين" في الطب الغربي يجب أن ينضبط بالضابط الشرعي (المدة الزمنية).

 

أما بخصوص دين الأطباء: فكون الأطباء غير مسلمين لا يمنع من قبول تشخيصهم "التقني"؛ لأن العلم المادي (الأشعة والتحاليل) يشترك فيه البشر، لكن القرار الشرعي يعود إليكم بناءً على عمر الحمل المذكور آنفا. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

إجهاض ولد الزنا خوفا من الفضيحة هل هو عذر شرعي؟

حكم إجهاض الجنين قبل الأربعين بسبب المرض

حكم إجهاض الجنين بسبب العزم على الطلاق

لماذا تؤيد اتجاهات فكرية الإجهاض وتعتبره حقًّا؟