<div>هل الترفيه مفيد للعقل ويساعد على تجديد نشاط التفكير ؟ وهل هناك حدود في الترفيه كوسيلة للحفاظ على حيوية عقولنا؟</div>
أخي الكريم، الإنسان كائن فريد في هذا
الكون، ولعل ذلك ينبع من اختيار الخالق سبحانه وتعالى له ليكون خليفة في الأرض،
وهو كائن يتكون من (60) عنصرًا كيمائيًّا، وحتى يبقى ذلك الجسد قويًّا لا بد من
التناغم والتوازن بين تلك المكونات والعناصر، ولكن ماذا عن روح الإنسان ومكوناتها
واحتياجاتها وطبيعة التوازن بينها؟
سؤال الروح ذو أهمية في الحياة الإنسانية؛
لأنه يثبت أن للروح أغذية وأشفية ومقويات تتجاوز الماديات
والحسيات، ومما تحتاج الروح والعقل إليه هو عنصر الترفيه؛ فهو يعيد
إنعاش العقل ويخفف إجهاده، ويزيح عنه ثقل الهموم والكآبة ويجعل مُستقبلاً جيدًا
للجديد من الأفكار والحكمة والمعلومات.
وفي بعض الأحيان يساهم الترفيه في تقبل
المعنى للحياة وبخاصة في ظل كثافة الاستخدام الرقمي الذي حوّل الترفيه إلى
غاية وليس وسيلة، وربما هذا ما حذّر منه الكاتب والمفكر الأمريكي "نيل
بوستمان" المتوفى (2003م) في كتابه الشهير "التسلية حتى الموت"
عندما أشار إلى أن التكنولوجيا والراحة توفران لنا الكثير من الوقت، ولكن ما
فائدة الوقت المُوفر إن لم نجد فيه ما يُفيدنا؟ فما فائدة الحياة الأسهل إن جعلتنا
في النهاية نفتقر إلى أي معنى حقيقي للحياة؟!
الترفيه قديم
الترفيه ملازم للإنسان منذ وُجد على الأرض، فمنذ أقدم العصور دوّن
الإنسان مظاهر ترفيهه في رسومات ونقوش سجلها في الكهوف، إذ كان الترفيه جزءًا من
المتعة وكذلك من الصحة النفسية ووسيلة للتواصل الإنساني، والتماسك الاجتماعي،
وتحولت بعض أشكال الترفيه إلى طقوس دينية.
أخذ الترفيه شكلاً مغايرًا لتاريخه الطويل وذلك مع الثورة الصناعية،
فنمو المدن وازدهارها، وانتشار المصانع ونمو الطبقة العاملة، وتحديد أوقات للعمل
وأخرى للراحة، هذا أدى إلى تحول الترفيه إلى صناعة وظهور أشكال
جديدة من الترفيه الجماهيري مثل السيرك والروايات ثم المسرح والسينما والإذاعة
والتلفزيون ثم الإنترنت ووسائل الترفيه الرقمي، فمثلاً حجم صناعة الترفيه الرقمي
في الألعاب الرقمية تجاوز ثلاثة تريليون دولار عام 2024، ويتوقع أن تصل وسائل
الترفيه الرقمي عام 2035م إلى ثمانية تريليون دولار، وهو مبلغ ضخم للغاية.
أصبح الترفيه جزءًا من حياة الإنسان المعاصر، وصناعة كبيرة تدر أرباحًا
كبيرة، بعدما تحول إلى سلعة تُستهلك على نطاق واسع، لكن المشكلة أن الترفيه
أصبح مصدرًا للتشتيت وليس مصدرًا للمتعة.
الترفيه والعقل
أما سؤالكم هل الترفيه مفيد للعقل؟ فالإجابة
المختصرة "نعم"، ولكن الترفيه مثل الدواء، غيابه يؤدي إلى
استفحال المرض، وزيادة الجرعة لها تأثيرات سلبية للغاية على الصحة وقد تودي بحياة
الإنسان إذا تجاوز حدود معينة.
والترفيه المعتدل الواعي مفيد للعقل والصحة
النفسية، فمن ناحية يساهم في إفراز بعض الهرمونات التي تخفض التوتر والقلق، ويعزز
قدرة الإنسان على الرفاهية النفسية والاسترخاء والإبداع، ويقوي من الوظائف الحيوية
للدماغ، ويساهم في التحفيز المعرفي وتحسين المزاج وتقوية التواصل الاجتماعي
والإنساني، وهنا نفهم المقولة المنسوبة إلى الإمام "علي بن أبي طالب"
رضي الله عنه: "روّحوا عن النفس ساعة بعد ساعة، فإنّ النفوس إذا كلّت
عمِيت"؛ فغياب الترفيه يؤدي إلى إغلاق العقل والنفس، فلا يقبل معرفة إلا
بصعوبة، ولا تنفتح له آفاق الإبداع والتطوير.
يتحدث علم النفس الحديث عن "القوة
العلاجية للترفيه" فالفنون كإحدى أرقى وسائل الترفيه تلامس الروح،
وتستحضر الكثير من الذكريات والأحلام، ولذلك كان الصوت والنغمات العذبة لها
تأثيرها في الصحة النفسية، والطريف أن العرب أدركت ذلك من قديم، وعرفت تأثير ذلك
حتى على إبلهم، فكانوا يحدون للإبل أي يغنون لها بعض الأغاني حتى يخففوا عنها تعب
الطريق وحتى تجدّ في السير، إلا أن تأثير ذلك على الإنسان أكثر قوة وأعمق تأثيرًا.
ورغم ذلك فهناك تحذيرات من سيطرة
النزعة الترفيهية على الإنسان المعاصر، تلك النزعة التي تفقده روح الجدية
والمثابرة والانضباط، وتحول الحياة لحالة من المرح والاستمتاع الذي لا يتوقف، في
كتابه "ألعاب العقل في الفن والترفيه" للمؤرخ الأمريكي
"جيمس سلون ألين" أن ثقافة الترفيه هيمنت على ثقافة المجتمع الأمريكي
المعاصر عبر الديمقراطية والتكنولوجيا والتجارة، وهذا ولد -على حد تعبيره- "نزعة
خبيثة" من عدم الجدية أصابت الثقافة والسياسة، فلم يعد يُمارس الترفيه من
أجل إنعاش العقل، ولكن الترفيه بات يأخذ الإنسان من عالمه الحقيقي إلى عالم آخر كل
شيء فيه ممكن، ولعل ألعاب الفيديو والرقمية هي ما ينطبق عليه هذا التحذير من ذلك
المؤرخ "سلون ألين".
موضوعات ذات صلة:
كيف تُشوِّه الحرب الأطفال عقليًّا ومعرفيًّا؟
كيف تنشئ الأفكار الشجاعة في النفس؟