<p>أنا غير مقتنع بقدرة الطب النفسي في شقّه الدوائي على معالجة ادمان العادة السرية ومشاهدة الإباحية وذلك من منطلق عقدي ومنهجي فالإباحية في أصلها معصية وذنب وتعلق القلب بها تعلق شهوي أخلاقي قبل أن يكون اضطرابا عضويا فكيف يمكن لدواء كيميائي أن يعالج تعلقا قلبيا ناشئا عن شهوة ومعصية؟ وهل يصبح كل انحراف سلوكي أو ذنب قابلا للعلاج بحبّة دواء؟ </p><p>لو سلمنا بذلك للزم القول بإمكانية ابتكار أدوية تعالج الكذب والنفاق والحسد وسائر أمراض القلوب وهو ما يثير إشكالا عقديا إذ قد يُفهم منه اختزال التزكية والإصلاح القلبي في مسار كيميائي بحت بدل كونه مسارا تعبديا إيمانيا.</p><p> وأما الشق الثاني وهو العلاج السلوكي المعرفي ونظائره فإن الإشكال عندي لا يقتصر على أدواته التقنية بل يمتد إلى خلفياته الفلسفية وبنيته الاساسية إذ يقوم في كثير من مدارسه على تفسيرٍ تجريبي مادي للسلوك الإنساني يكتفي بالمحسوس القابل للقياس ولا يُدخل الغيب في بنيته التفسيرية مثل انه ولا يعترف بوجود اله ولا جن ولا شياطين ولا ملائكة ولا وحي ناهيك عن نظرة بعض المدارس النفسية قديما وحديثا إلى تجربة الوحي والنبوة على انها هلاوس سمعية وبصرية متهمين الانبياء بالفصام العقلي! فكيف اتقبل علاجا من منهج كهذا؟!</p><p> وأضيف إلى ذلك تساؤلا آخر: لو أن طبيبا غير مسلم نصراني مثلا عالج شخصا من هذا الإدمان ونجح في تقليل سلوكه أو إنهائه فكيف يُفهم هذا النجاح؟ هل يعني ذلك أن المعالجة تمت في الجانب السلوكي أو العصبي فقط دون مساس بالبعد القلبي والإيماني والذي يردنا الي التصور الاول؟! أم يُفهم منه ان الطبيب النصراني نجح بهذه النظريات الغربية ويكون ابن القيم قاصرا في تصوراته التي اوردها في كتابه الداء والدواء خاصة باب عشق الصور؟!</p><p> وبعد كل ما سبق فهل يصح النظر إلى إدمان الإباحية باعتباره اضطرابا نفسيا يُعالج دوائيا أو سلوكيا أم أن الأصل فيه كونه انحرافا سلوكيا أخلاقيا يحتاج إلى معالجة إيمانية وتربوية بالدرجة الأولى؟</p><p> وهل يمكن الاستفادة من أدوات الطب النفسي دون تبني خلفياته الفلسفية؟ أم أن بين الوسيلة والمنطلق تلازما لا يمكن فصله؟ ولو سلمنا بالتلازم فهل يعني ذلك ان كل من أقدم على هذا النوع من العلاج يكون مشركا بالله ومؤمنا بمنهاج كفرية تقدح في صلب التوحيد والاعتقاد؟!</p><p>أرجو الإجابة على كل أسئلتي دون إغفال بعضها لعلى أجد ضالتي، جعله الله في ميزان حسناتكم.</p>
أخي الكريم، سؤالكم يفتح قضايا كثيرة
مهمة، ومن الضروري الوعي بها؛ فالرجوع بالتصورات والأفكار إلى نشأتها الأولى يساهم
في إدراك طبيعة الطريق ونهاياته.
طبيعة علم النفس
أخي الكريم، وقبل مناقشة سؤالكم الثري،
وقبل مناقشة طبيعة إدمان الإباحية وتوصيف هذا الإدمان هل هو اضطراب نفسي سلوكي أم
هو انحراف أخلاقي، وخروج عن المعايير الأخلاقية الواضحة الصادرة عن الدين؟ أود قبل
ذلك لفت الانتباه إلى نشأة علم النفس.
جاءت نشأة علم النفس ذات طبيعة علمانية
مادية، فكانت نشأته الرسمية عام 1879م على يد الألماني "فيلهلم فونت"
الذي أسس أول مختبر لعلم النفس في جامعة لايبزيغ بألمانيا، وبذلك تم فصل علم النفس
عن الفلسفة ليصبح علمًا مختصًا بذاته يسعى لتطبيق المناهج التجريبية على ما يتعلق
بالنفس والسلوك الإنساني، ومن ثم فهذا العلم حديث نسبيًّا، رغم أن دراسة النفس
قديمة جدًّا لكنها كانت تأتي في إطار الرؤى الفلسفية.
وقد ركّز العلماء الأوائل الذي ساهموا في
تأسيس علم النفس على الملاحظة لدراسة السلوك، ثم تحليل نتائج تلك الملاحظة
والمشاهدة سعيًا للخروج بقواعد أو ما يشبه القوانين لفهم السلوك والنفس الإنسانية
بصورة عامة.
وقد ظهرت عدة مدارس في إطار هذا العلم الناشئ،
حتى جاءت مدرسة "التحليل النفسي" على يد الطبيب اليهودي النمساوي
"سيجموند فرويد" الذي لفت الأنظار إلى "اللاوعي" ودوره
الكبير؛ بل والأساسي في السلوك الإنساني، وطغت تفسيرات تلك المدرسة على القرن
العشرين، ثم جاءت المدرسة "السلوكية" في أوائل القرن العشرين لتُحدث
نقلة في علم النفس وسعت لجعل علم النفس تخصصًا علميًّا أكثر دقة من خلال التركيز
حصرًا على السلوك القابل للملاحظة.
ومن خلال ما سبق سادت
فكرة استمرت لفترة طويلة، أن علم النفس أصبح يحل مكان الدين في فهم النفس
وعلاجها وتقويم سلوكها وتعديل انحرافاتها، واستمرت هذه النظرة المتحدية
للدين والمتعالية عليه عقودًا طويلة، حتى أدركت الدراسات الحديثة في علم النفس
أهمية ودور الدين كإحدى أهم وسائل العلاجات المعرفية لعلاج النفس وتقويمها وإصلاح
انحرافاتها؛ لأن حبة الدواء أو برامج التنمية البشرية لا تكفي وحدها لعلاج
اضطرابات النفس، ولكن لا بد من الجانب المعرفي في الإصلاح السلوكي.
الإباحية بين علم النفس والدين
الإباحية في تعريفها الحديث ذات دلالة واسعة
تشير إلى المطبوعات الفيديوهات والصور والتعليقات والكلمات والأفلام، وكل ما يتعلق
بالحديث المثير عن الغريزة الجنسية ويدعو إلى الفجور والإباحية.
وقد تحولت الإباحية إلى صناعة كبيرة للغاية
تُدر مليارات من الدولارات سنويًّا، ويشار إلى أن مدخولاتها سنويًّا تقدر بـ(100)
مليار دولار، منها (13) مليار دولا هي حصة الأمريكيين، ويسجل أحد المواقع الإباحية
(42) مليار زيارة سنويًّا، بل إن إحدى الإحصاءات التي ذكرتها إحدى المجلات
المتخصصة كانت مقلقة، إذ ذكرت أن 30% من استخدام بيانات الإنترنت اختصت به المواد
الإباحية، وذكرت إحدى المجلات المتخصصة في سلوكيات الإنترنت أن نسبة مستخدمي
المواد الإباحية زادت بنسبة (310%) في الفترة ما بين عامي 2004 و 2016.
هذه الإحصاءات ليست أمرًا عاديًّا، لأنها
تشير إلى حجم انفلات أخلاقي كبير وتردٍّ سلوكي مروع، فـ(42) مليار زيارة لموقع
إباحي واحد فقط يعني أن ذلك يفوق سكان الأرض جميعًا قرابة السبع مرات، ومن ثم
فالنفس البشرية أطلقت فجورها، وهو ما تكشفه تلك الأرقام.
ويكشف هذا الانفلات الإباحي عن أزمة غياب
الرقابة وليس المقصود بها الرقابة القانونية، ولكن نقصد الرقابة أو المراقبة الذاتية
الضميرية، حيث ترى النفس أن الله تعالى ينظر إليها ويطلع على أفعالها حتى وإن
احتمت بالخصوصية التي يوفرها الوسيط الرقمي لمستخدميه؛ فالضمير هو صوت الله في
الإنسان.
وإذا نظرنا إلى علم النفس فإنه
أخذ يهتم بالعلاجات المعرفية لمواجهة إدمان الإباحية، مثل تغيير التصورات عن
الجنس، وتغيير العادات بما يسمح بالابتعاد عن المثيرات والمحفزات التي تجذب الشخص
لتلك المواد والممارسات، مع إيجاد قدر من القبول الذاتي للشخص بأنه بحاجة إلى
تغيير وإصلاح.
ورغم الجهود الجبارة والعلمية في
مجال علم النفس لمعالجة إدمان الإباحية، فإنني أرى أن هناك مشكلة تأسيسية،
وهي: ما هو موقف علم النفس من الجنس خارج إطار الزواج، وهل ممارسة
الجنس خارج إطار الزواج لا بد فيه من مراعاة أمور معينة من حيث السن والتوافق
والاحتياطات الصحية لكي تكون ممارسة آمنة نفسيًّا؟ أم أن هناك موقفا أخلاقيًّا
ودينيًّا واضحًا وحاسمًا وحازمًا ينظر إلى الجنس خارج إطار الزواج كخطيئة وكبيرة
واعتداءً على أعراض الناس؟
ومن ثم فإن معالجة الدين والأخلاق لمسألة
إدمان الإباحية ذات قوة وعمق كبير تفوق علم النفس؛ لأن الدين يزرع الضمير في أعماق
الإنسان، ويعالج تصورات الإنسان تجاه الخطيئة والرذيلة وفق معيار أخلاقي واضح لا
يسمح بالانحراف أو التلاعب أو الاستحلال.
موضوعات ذات صلة:
كيف نفسر غياب الضمير في حياتنا؟
فضائح إبستين هل لها علاقة بالفلسفة العدمية؟
هل الانفلات الجنسي يفقد الشباب المعنى في الحياة؟