<p>التأثير المجتمعي للدعاء بالسوء أمام الكعبة على العلاقات الأسرية والاجتماعية. مع انتشار ظاهرة دعاء الأمهات على أبنائهن وزوجاتهم أمام الكعبة، ظهرت مخاوف بشأن التأثيرات التي قد تطال المجتمع ككل، وليس الأفراد المعنيين فقط.</p><p> ما هي التأثيرات المجتمعية الفورية لهذا التصرف على الروابط الأسرية والاجتماعية في المجتمع؟ وكيف يمكن أن تتأثر العلاقات بين الأجيال المختلفة؟ ما هي التداعيات طويلة المدى على التماسك المجتمعي،</p><p> وهل يمكن أن يؤدي ذلك إلى تفكك العلاقات الاجتماعية على المدى البعيد؟ كيف يمكن أن يؤثر هذا التصرف على القيم الأسرية والثقة المتبادلة في المجتمع، وكيف يمكن أن تتغير النظرة إلى الأماكن المقدسة؟</p><p> ما هي الإجراءات والتوصيات المجتمعية والنفسية المقترحة للتخفيف من هذه التأثيرات وتعزيز الوحدة والرحمة في المجتمع؟ نرغب في فهم الأثر الشامل لهذا التصرف على المجتمع ككل، واستكشاف سبل تعزيز الروابط الاجتماعية والأسرية على المدى الطويل.</p>
أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك -أخي الكريم- في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية..
في البداية لا يمكن أن نطلق على هذه الحوادث مصطلح ظاهرة، فأن يصل الخلاف الحاد حد
الكراهية وحد أن تقف أم لتدعو بحرقة على ولدها وعلى حفيدها أمام الكعبة أمر لا
يتكرر كثيرًا، وغالبًا هذه حالات فردية نادرة لكنها مزعجة إلى حد الصدمة مما يجعل
الجميع يتحدث عن الحادثة كأنها ظاهرة.. كما أن خوارزمات منصات التواصل تقوم
بالترويج لمثل هذه الحوادث فتحصد نسب مشاهدة عالية جدًّا.
الكراهية بين الحماة وزوجة الابن
لعل ما يمكن أن نطلق عليه ظاهرة: هو تنامي مشاعر الرفض والكراهية بين
الحماة (والدة الزوج غالبًا) وبين زوجة الابن خاصة في الأماكن الريفية والمجتمعات
التي لا تزال تعيش وفق نموذج الأسرة الممتدة، حيث إن هناك صراعًا بين نموذج الأسرة
النووية والأسرة الممتدة.
أهم سبب لتنامي المشاعر السلبية أنه لا يوجد مرجعية للعلاقات، حيث إن
المرجعية التقليدية القائمة على الأعراف هي مرجعية ظالمة والمرجعية الدينية غائبة
أو شكلية.
ففي ظلال العائلة الممتدة تحتل الحماة دورًا محوريًّا تسلطيًّا
وتتحكم في كل التفاصيل الحياتية للأبناء الذكور وزوجاتهم، بدءًا من ماذا نأكل..
لنصيب كل فرد في الطعام.. لموعد الطعام.. مرورًا بمن يصنع الطعام وكيف ومتى.. متى
ينام الجميع ومتى يستيقظون والقصص المتداولة التي تفيض بصور السيطرة تشكل ظاهرة
اجتماعية حقيقية.
الحماة ترى أنها عندما كانت شابة صغيرة قامت بهذا الدور، وكان هناك
حماة تسيطر عليها، ومن حقها الآن أن تمارس هذه السيطرة، ومن حقها أن تنظر باستعلاء
لزوجة الابن لأنها ترى نفسها في مكانة أعلى دينيًّا واجتماعيًّا.
زوجة الابن في هذا العصر تمردت على الدور القديم ورفضت سيطرة الحماة
خاصة مع ارتفاع معدل الوعي وارتفاع معدل التعليم، وأصبح هناك خلاف وكثيرًا ما تطور
هذا الخلاف لمشاعر رفض وكراهية من الطرفين؛ فالحماة ترى زوجة الابن بصورة الشريرة
التي تريد عزل الابن عن عائلته وترغب في الاستحواذ عليه وحدها.
وزوجة الابن ترى في الحماة نموذج المرأة الظالمة التي تريد التدخل في
حياتها الخاصة بل والسيطرة عليها.
والابن ـ الزوج ـ أصبح متنازعًا عليه فإذا مال لوالدته أصبح "ابن
أمه". وإذا مال لزوجته أصبح جاحدًا ناكرًا للجميل وابنًا عاقًّا، وقد يتطور
الأمر للدعاء عليه كما شهدنا في مقاطع مصورة.
الحقيقة أن نقطة الاتزان مسألة نسبية فقد يكون الرجل بارًّا بوالدته
وفي الوقت ذاته لا يظلم زوجته، وعلى الرغم من ذلك تراه الزوجة "ابن أمه"
الذي لا يمتلك شخصية، وتراه أمه الابن العاق التابع لزوجته.
ثقافة الفضيحة
في عصر السوشيال ميديا أصبحت الخلافات العائلية على المشاع، فإذا
غضبت زوجة خرجت في مقطع مصور تحكي أسباب غضبها وتفضحه أمام الجمهور.. وإذا وجد رجل
تقصيرًا في بيته لا يتورع عن تصوير البيت ليفضح الزوجة المهملة على الملأ, أحدث
صور الفضيحة أن تقف الأم لا لتفضح ابنها وزوجته فقط بل لتدعو عليهم دعاءً حارقًا
بأسوأ الأمور التي من الممكن أن تحدث لإنسان بما فيها أن يحرق الله قلبه على ولده
(الذي هو حفيدها) دعاء ليس فيه طلب للهداية إنما هو دعاء لاستنزال اللعنات على هذا
الابن وزوجته.. والأمر يتجاوز الدعاء.. أو حتى الدعاء في مكان مقدس، لكن تصوير ذلك
ونشره وفضح هذا الابن وزوجته أمام المجتمع هو جزء من ثقافة الفضيحة التي تمثل عوارًا
نفسيًّا ومجتمعيًّا.
قد تكون هذه السيدة مظلومة مقهورة وصل غضبها لمنتهاه فذهبت تشكو
الظلم لرب العالمين لكن لماذا تصور وتنشر هذا؟ ألم يكن من الأولى أن تدعو لولدها
بالهداية؟
ألم تعلم هذه السيدة أن هناك نهيًّا عن الدعاء على الأولاد؟ (لا
تدعوا على أنفسكم، ولا تدعوا على أولادكم، ولا تدعوا على خدمكُم، ولا تدعوا على
أموالكُم، لا تُوافقُوا من اللهِ تعالى ساعة نيْلٍ فيها عطاء فيستجيب لكم).
ثقافة القسوة
الدعاء على هذا النحو الذي رأيناه يشيع ثقافة القسوة ويفرغ العبادة
من فلسفتها التي تقوم على تطهير النفس البشرية كي تتحول العبادة لأداة انتقامية..
أنا لا أتحدث عن حادثة فردية لكن عن ثقافة القسوة التي تجسدت في مقطع الفيديو
الأخير، فلو تأملنا لغة الجسد للسيدة التي ظهرت في المقطع وتأملنا جمود وجهها
أثناء الدعاء لن نجد أننا أمام امرأة تدعو بخشوع وتبتهل إلى الله، ولكن سنجد امرأة
في منتصف العمر تميل للشباب والحيوية وتستطيع الحياة بصورة استقلالية فهي ليست
عجوزًا مسنة بحاجة للخدمة اليومية وتدعو بقسوة شديدة وبلا أي ملمح من ملامح
الرحمة..
نموذج لامرأة تشبعت بثقافة القسوة التي تجعل بعض النساء لا يتوقفن عن
السب واللعن على أولادهن حتى الصغار منهم؛ فخطأ صغير من الطفل وتجد هذه الأم تدعو
عليه أن ينتقم الله منه ويأخذه و.. و.. الأم التي يقول لها ابنها إن معه المال
ويرغب في شراء مستقلة له ولزوجته حتى يقلل المشاحنات فتقول له: أفقرك الله وأخذ
مالك وأراك تتسول أنت وهي...
نماذج كثيرة مشبعة بثقافة قسوة تتناقض مع رحمة الأم التي ضرب بها
النبي صلى الله عليه وسلم المثال بها كنموذج إنساني أعلى وكيف أن هذه الرحمة لا
تمثل إلا جزءًا ضئيلاً من رحمة الله.
ولا شك أن ثقافة الفضيحة المتلبسة بثقافة القسوة جعلت بلادنا على سقف
صفيح ساخن.. كانت هذه مقدمة مهمة للحديث عن أثر هذه الثقافة على تفكك المجتمع
وضعفه وما الذي يمكن أن نقوم به لتخفيف هذا الاحتقان فأرجو متابعة الاستشارة
القادمة.