دروس من الميدان.. ما التجارب الدعوية الملهمة التي نستفيد منها اليوم؟

Consultation Image

الإستشارة 27/08/2025

فضيلة الشيخ، هل هناك تجارب دعوية ناجحة عبر التاريخ أو في الواقع المعاصر يمكن الاستفادة منها في هذا الظرف التاريخي الذي يشهد إقبالًا كبيرًا من غير المسلمين على الإسلام تأثرًا بصمود الفلسطينيين وثباتهم؟

الإجابة 27/08/2025

الحمد لله الذي هدى الناس بنوره، وجعل الدعوة إليه مهمة الأنبياء والرسل، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعـــد: فإن الدعوة إلى الله ليست عملًا ارتجاليًّا أو جهدًا فرديًّا عابرًا، بل هي سُنّة ربانية متصلة، تحملها الأمة جيلًا بعد جيل.

 

وفي التاريخ الإسلامي والمعاصر تجارب دعوية عظيمة تصلح أن تكون خريطة طريق لنا في هذا الظرف الفريد، حيث يشهد العالم تحولات فكرية وروحية كبيرة بسبب مشاهد صمود المسلمين في فلسطين وغيرها.

 

دروس من التجارب التاريخية

 

1) دعوة النبي ﷺ في مكة والمدينة، ففي مكة المكرمة: اعتمد على ترسيخ العقيدة، والصبر على الأذى، والقدوة الأخلاقية، دون استعجال النتائج. وفي المدينة: انتقل إلى بناء المجتمع، ونشر الرسالة عبر الوفود والتحالفات، وهكذا فإن الدعوة تحتاج صبرًا في المراحل الأولى، ثم تنظيمًا في المراحل التالية.

 

2) دعوة الصحابة في الحبشة: جعفر بن أبي طالب قرأ آيات من سورة مريم أمام النجاشي، فبكى وقال: "إن هذا والذي جاء به عيسى ليخرج من مشكاة واحدة"، ومن هنا فإن التركيز على القيم المشتركة بين الإسلام وغيره من الأديان يُسهل الطريق إلى القلوب.

 

3) التجار في جنوب شرق آسيا: لم يكن معهم جيوش ولا مؤسسات، بل صدق وأمانة، ودخل الإسلام إلى إندونيسيا وماليزيا بفضل تعامل المسلمين، حتى أصبحت أكبر بلد مسلم؛ فالتجارة والعمل المهني مجال عظيم للدعوة، إذا صاحبه الإخلاص.

 

4) دعوة العلماء في إفريقيا: ففي غرب إفريقيا، كانت الزوايا القرآنية (المدارس) مراكز لنشر الإسلام عبر التعليم والقدوة؛ فالتعليم المستمر وتربية الأجيال طريق طويل لكنه ثابت.

 

تجارب معاصرة ناجحة

 

- المراكز الإسلامية في الغرب: فكثير من المسلمين الذين أسلموا في أوروبا وأمريكا بدأوا رحلتهم من خلال مسجد صغير أو مركز إسلامي محلي، ودور هذه المراكز لم يكن في التعليم فقط، بل في الاحتضان الاجتماعي للمسلمين الجدد، وإن "الدفء الاجتماعي" أهم من المعلومات الجافة.

 

- العمل الخيري والإغاثي: فالمؤسسات الإسلامية مثل "الإغاثة الإسلامية" و"الهلال الأحمر" تركت بصمة في إفريقيا وآسيا، وهذا له أثره في ربط الناس الإسلام بالعطاء والرحمة، لا بالعنف، وعليه فإنَّ خدمة المحتاجين أقوى من آلاف المحاضرات.

 

- التجارب الرقمية: فإن آلاف الأشخاص يدخلون الإسلام عبر مقاطع قصيرة مؤثرة على منصات مثل "يوتيوب" و"تيك توك"، حيث يجيب دعاة على أسئلة وجودية، أو يروون قصص صمود الفلسطينيين، والمنصات الحديثة ساحة دعوية كبرى يجب استثمارها بذكاء

 

- تجربة مسلمي البوسنة بعد الحرب، فعلى الرغم من المجازر التي تعرضوا لها، حرصوا على تقديم صورة إنسانية للإسلام في أوروبا، حتى في الجراح، يمكن أن يكون المسلم رسول رحمة.

 

كيف نستفيد من هذه التجارب اليوم؟

 

1) الربط بين فلسطين والعالم: مشاهد التضحية الفلسطينية أثّرت في غير المسلمين، لكن يجب ألا تبقى عاطفة عابرة، ونحتاج إلى تحويل هذا التأثر إلى برامج عملية: حوارات مفتوحة، ترجمة قصص الشهداء والصابرين بلغات العالم.

 

2) إعداد سفراء جدد من المهتدين: الذين يدخلون الإسلام اليوم يجب أن يُحتضنوا، ويُؤهلوا ليكونوا دعاة في أوطانهم، والمسلم الجديد قد يؤثر في مجتمعه أكثر من أي داعية خارجي.

 

3) المزج بين الدعوة الفردية والمؤسسية: فالفرد المسلم بدوره الشخصي لا يُغني عن المؤسسات، والعكس صحيح، والمطلوب اليوم: شبكة عالمية من الأفراد والمؤسسات، تتعاون لنشر رسالة الإسلام.

 

4) المرونة في الوسائل والثبات في الأصول، والوسائل الدعوية تتغير: من التجارة إلى الإعلام الرقمي، لكن الأصول واحدة: الصدق، الرحمة، القدوة، العلم.

 

أبرز معالم النجاح الدعوي

 

ومن معالم النجاح في الدعوة الإسلامية، ما يأتي:

 

- التدرج: البدء بالأساسيات (التوحيد – الأخلاق – الصلاة) قبل التفريعات.

 

- الاحتواء: المسلم الجديد يحتاج أسرة بديلة تحتضنه.

 

- التبسيط: تبسيط الدين دون تفريط، بعيدًا عن التعقيد الفقهي في المراحل الأولى.

 

- الاستمرارية: الدعوة ليست حملة موسمية، بل مسيرة طويلة.

 

توصيات عملية في الظرف الراهن

 

1) تأسيس مراكز إلكترونية متعددة اللغات تشرح الإسلام بلغة العصر.

 

2) إنتاج قصص وثائقية قصيرة عن صمود الفلسطينيين، تربط بين الإيمان والواقع.

 

3) تدريب المسلمين الجدد على مواجهة التحديات الفكرية والإعلامية.

 

4) إطلاق مشاريع "مسلم صديق"، حيث يتبنى كل مسلم أسرة أو فردًا جديدًا دخل الإسلام، ليرشده ويعينه.

 

5) تحويل المساجد إلى منصات مفتوحة تستقبل الزائرين غير المسلمين وتعرفهم بالإسلام.

 

وليكن في الحسبان بأنّ التجارب الدعوية الناجحة، قديمًا وحديثًا، تؤكد أن الإسلام ينتشر بقوة القدوة والرحمة والصدق أكثر مما ينتشر بالمناظرات والجدل. والمطلوب اليوم هو توظيف هذا الزخم العالمي بعد فلسطين، وتحويله إلى خطة شاملة تجمع بين: الإعلام الرقمي، العمل الخيري، التعليم المستمر، ورعاية المسلمين الجدد.

 

وأسأل الله تعالى أن يحفظكم بحفظه، وأن يرزقنا وإياكم عملا لدينه على الوجه الذي يرضيه.

الرابط المختصر :