الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 6290
03/11/2026
هل يمكن أن تؤدي كثرة النعم ووفرة المال سلبًا على عقل الإنسان وسلوكه؟ وهل يمكن أن تبث الوفرة روح الاسترخاء في عزيمة الإنسان؟
أخي
الكريم، الترف له تأثيراته على عقل الإنسان وسلوكه، وقد تنبّه العلامة "ابن
خلدون" إلى تلك المسألة مبكرًا، وقال: "إذا انغمست الأمة في الترف،
تبلدت عقولها وضعفت عزائمها"؛ فالترف يقود غالبًا إلى الخمول والتبلد
ويبث في مفاصل الإنسان والمجتمع الركون إلى السكون وإيثار الراحة الذهنية
والبدنية، وهو ما يضعف العقل والبدن والعزيمة، فيتحول المجتمع من طور التقدم
والتطور والقوة إلى منقلب آخر استهلاكي خامل.
وقد
حذّر الفيلسوف "سقراط" من أن الترف ينحدر بالعقل إلى مستويات دنيا،
ويكبل المجتمع ويدفعه للهاث وراء الملذات بدلاً من السعي وراء الحقيقة والكمال،
فقال: "الرغبة في الترف هي أصل كل الشرور، والرفاهية الزائدة تنتج مجتمعًا
مريضًا ومثقلاً بالشهوات".
وما
نقصده هنا أن تتحول الوفرة والترف إلى عائق للنهوض والتقدم، فليست الوفرة مذمومة
في ذاتها، ولكن مذمومة إذا تجاوزت حدها إلى طغيان وخرجت عن غاياتها من توفير
الاحتياجات والغنى وقوة الإمكانات، لأن تتحول إلى روح استهلاكية طاغية تأكل ولا
تنتج وتسرف ولا تتحضر ولا ترتقي.
آثار
طغيان الوفرة
أخي
الكريم، الوفرة عندما ترتحل من توفير الحاجات وحفظ الكرامات وصيانة الإنسان عما يسحقه
بحثًا عن أساسيات الحياة، إلى ميدان استهلاكي مفرط، تُحدث تغيرًا هيكليًّا في عقل
الإنسان وطريقة تفكيره وسلوكه، وترسم معالم مغايرة للوعي الإنساني تذبل فيها روح
التأمل والتحدي والنقد وتزدهر فيها روح الاستهلاك المفرط، ويمكن رصد بعض من آثارها
الخطرة على التفكير، على النحو التالي:
* روح الاسترخاء والتبلد العقلي: مع غياب التحديات المختلفة تضعف قدرات
الإنسان ومنها عزيمته وقدراته العقلية، ويحدث تغير في الوظائف المعرفية، فتضمر
القدرات العقلية على التفكير الابتكار والتأمل والنقد وإنتاج الحلول وتجاوز
الأزمات، وتتراجع المرونة العقلية والعصبية القادرة على التغلب على التحديات،
ويميل العقل إلى الإمساك بالحلول الجاهزة، ويفقد الإنسان الشغف والمغامرة، ويغيب
التفكير الاستراتيجي.
* التشتت وتراجع القدرة على ضبط النفس: تشير الدراسات النفسية إلى أن بيئة
الترف، تنتج ما يمكن تسميته بـ"تخمة المثيرات" وهو ما يشتت العقل؛ إذ
يصبح العقل أمام خيارات لا حصر لها، وخيارات يمكن الحصول عليها بسهولة، وهذا يؤدي
إلى "شلل الاختيار"، فالخيارات تشغب على بعضها البعض فتصيب العقل بعجز
عن تحديد ما يريد، والقاعدة في ذلك أنه "كلما زادت الوفرة المادية والترف،
ارتفع عدد الخيارات المتاحة للإنسان، مما يحول عملية الاختيار من ميزة مريحة إلى
عبء عقلي ثقيل يصيب القدرات الذهنية بالشلل والتبلد"؛ فكثرة الخيارات اليومية
الناتجة عن الرفاهية تستهلك مخزون الطاقة العقلية وقوة الإرادة.
* الانفصال عن الواقع: ولعل من أبرز آثار هذا الانفصال هو عدم الاحساس
العاطفي بالناس، وعدم إدراك معاناتهم، والتوهم أن الناس بلا أي آلام وأوجاع، فهو
ينظر إليهم من منظوره الذاتي المترف المتخم بالشبع، وقد خلصت أبحاث في علم النفس
الاجتماعي أن الطبقات الأكثر ثراءً وتَرَفًا قد تظهر قدرة أقل على قراءة مشاعر
الآخرين أو التعاطف مع معاناتهم.
وفي دراسة محكمة وميدانية عن
تأثير الطبقة على التعاطف خلصت إلى أن الأشخاص ذوي الوضع الاجتماعي والاقتصادي
المتدني كانوا أكثر سخاءً وعطاءً، مما يشير إلى أن الظروف لا تُعزز دقة التعاطف
فحسب، بل التعاطف نفسه، والتعاطف بدوره يُقوي الروابط الاجتماعية، ومعيار دقة
التعاطف هو قدرة الشخص على قراءة مشاعر الآخرين بدقة، لأن الإنسان إذا لم يتمكن من
إدراك ذلك من الصعب أن يستجيب عاطفيًّا مع معاناة الآخرين، وفي حالة الترف فإن هذا
الانفصال عن الواقع يكون كثير الحضور في البيئة المترفة.
وختامًا
أخي الكريم، الرؤية الإسلامية تربط بين الترف والتخمة والإسراف في الشبع وبين قسوة
القلب وتبلد المشاعر وغياب التعاطف والطغيان ومجاوزة الحد، ولذلك كان يقول
"ذو النون المصري": "الحكمة لا تسكن معدة ملأى"، وكان
يحيى بن معاذ الرازي يقول: "النعيم والترف يُربيان النفس على الطغيان، ومن
تربت نفسه على الطغيان قسا قلبه، ومن قسا قلبه عَميت بصيرته عن رؤية الحق ورحمة
الخلق".
موضوعات
ذات صلة:
الزواج
وحفلات الاستهلاك الاستفزازي
انتحار
الأثرياء وغياب المعنى من الحياة