الإستشارة - المستشار : أ. مصطفى عاشور
- القسم : قضايا إنسانية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
12 - رقم الاستشارة : 5846
12/09/2026
هل يعيد الذكاء الاصطناعي تعريف معنى جديد للحياة وهل يتأثر إدراكنا القادم بتلك الطفرة وفي إدراكنا لأنفسنا؟
أخي
الكريم، الرقمية والذكاء الاصطناعي أعادا هيكلة وتعريف الكثير من علاقتنا ومصالحنا
وأنماط حياتنا، ومن ذلك معنى الحياة، الذي يشير إلى الغاية والهدف من الوجود
الإنساني، تلك الغاية التي تمنح قيمة للحياة والفعل الإنساني، وتبرر التضحية،
والتي تتشكل من تفاعل مكونات دينية واجتماعية وتاريخية وثقافية، فهي المنظور
الفلسفي الذي يمنح الإنسان رؤية للحياة.
الذكاء
الاصطناعي أو الـ (AI) يشير إلى تكنولوجيا المعلومات وعلوم
الكمبيوتر الهادفة إلى تطوير أنظمة وبرمجيات قادرة على محاكاة القدرات الذهنية
البشرية، مثل التعلم، والاستنتاج، واتخاذ القرارات، وحل المشكلات المعقدة.
ومعنى
هذا أن غاية القائمين على تطوير برمجيات الذكاء الاصطناعي هو السعي لمحاكاة قدرات
الإنسان، بحيث يكون هذا الذكاء بديلاً عن كثير من الجهد الإنساني، ومسيطرًا على
كثيرٍ مجالات الفعل الإنساني، هذا التطور المذهل في برامج الذكاء الاصطناعي يطرح
تساؤلات حول إمكانية إعادة تعريف معنى الحياة في ظل الطفرات الواسعة لهذا الذكاء.
إعادة
تعريف معنى الحياة
أخي
الكريم، يمكن إيجاز الركائز الأساسية التي يقوم عليها المعنى في الحياة إلى ثلاث
ركائز أساسية، هي:
الهوية: وهي تعني السمات والخصائص التي تميز شخصًا أو جماعة أو أمة عن غيرها، وهي ما تمنح
الشخص الشعور بالتميز والانتماء.
الغاية
أو الهدف: وهي المحرك الأساسي للفعل الإنساني، والموجه للسلوك، والهدف النهائي
الذي يسعى إليه الشخص.
التواصل: فالإنسان كائن اجتماعي بفطرته، والذات لا تبنى بمعزل عن الآخر والعالم المحيط بها.
وفي
ظل تنامي قدرات الذكاء الاصطناعي حدث تأثير واضح على الركائز الثلاث السابقة،
بعدما تغلغلت الآلة في صميم الحياة الإنسانية اعتمادًا عليها وعلى كونها وسيلة
للتفاعل والتواصل، فمثلاً نجد أنها أثرت على الهوية الإنسانية، ومن التساؤلات
المطروحة: إذا كانت الآلة تنهض بكثير من مهام الإنسان في العمل والحياة، فما هي
إذن الفائدة من وجود الإنسان ذاته؟ وما الفائدة من هذا الكم الضخم من البشر إذا
كانت الآلة تنهض بأدوارهم ووظائفهم؟ وبخاصة دخول الذكاء الاصطناعي إلى مساحات
تطويرية وإبداعية كانت حكرًا على الإنسان، هذا التحول يطرح على العقل الإنساني أن
يبحث عن غايات للفعل الإنساني.
أما
بخصوص ركيزة التواصل فالذكاء الاصطناعي يسعى لتطوير برامجه في هذا المجال مدفوعاً
بحلم أن تملك الآلة القدرة على التواصل وتبادل المشاعر وليس أن تكتفي بتقديم
معلومات وبيانات فقط.
التواصل
الاصطناعي
أخي
الكريم، مبرمجو الذكاء الاصطناعي يسعون إلى أن يكون هذا الذكاء بديلاً في التواصل
ومؤنسًا في الوحدة، وملبيًا لكثير من المشاعر والحاجات النفسية والعاطفية، من خلال
إمداد الذكاء الاصطناعي بالقدرة على إجراء حوار مع مستخدميه والاجابة على بعض
تساؤلاتهم وإبداء "تعاطف آلي" مع أحاديثهم وفضفضتهم، ومحاكاة التعاطف
الإنساني.
هذا
التطور أوجد قلقًا فسلفيًّا وتساؤلات حول مفهوم الإرادة الإنسانية، في ظل تحول
البشر إلى كيان مخترق من تلك الآلات الذكية، اخترق يفتح أعماق الإنسان ووجدانه على
العالم الافتراضي بكل اتساعه.
الفيلسوف
السويدي الشهير "نيك بوستروم" طرح مفهوم "ما بعد العمل"
وملخصه أن الآلات الذكية إذا قامت بغالبية أعمال الإنسان، فإن هذا الإنسان سيبحث
عن معنى لحياته في الألعاب، وهنا يتجرع ذلك الإنسان الملل الوجودي؛ لأن اللعب لا
يستطيع أن يملأ الفراغ الوجداني الإنساني.
البروفيسور
الإيطالي "لوتشيانو فلوريدي" حذر من غياب المعنى مع الذكاء الاصطناعي؛
فالمبرمجون لن يكتفوا بتصميم البرامج، ولكن ستمتد سلطتهم إلى تصميم القيم
الإنسانية، وإذا وصلوا إلى تلك المنطقة فسيعيدون هيكلة مفهوم الإنسان ذاته وهيكلة
معنى الحياة.
كذلك
حذّر عالم الفيزياء الأمريكي " ماكس تيغمارك" في كتابه "أن تكون
إنسانًا في عصر الذكاء الاصطناعي" من قدرة الذكاء على إعادة تعريف الوعي
الإنسانية ومفهوم المعنى والغاية للوجود الإنساني، إلا أن تحذيره الأكبر من أن
الذكاء الاصطناعي بات يتطور بشكل مستقل بصورة سريعة للغاية وهو ما يشكل خطرًا حقيقيًّا
على الإنسان، وأن الآلات الذكية قد تسيطر على الأرض، ويصبح التعايش بين الإنسان
والآلات هو ما يحمله المستقبل القادم.
موضوعات ذات صلة:
هل يخرج الذكاء الاصطناعي عن سيطرة الإنسان؟
هل الذكاء الاصطناعي يضعف التفكير النقدي؟
هل للذكاء الاصطناعي تأثيرات سلبية على العقل؟