الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : العبادات
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
16 - رقم الاستشارة : 4862
20/05/2026
هل يجوز الجمع بين نية الأضحية ونية العقيقة عن مولود جديد في ذبيحة واحدة؟ وما رأي المذاهب في تعدد النيات عن ذبيحة واحدة؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً
وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، مسألة الجمع بين الأضحية والعقيقة في ذبيحة واحدة
وتُعرف عند الفقهاء بمسألة التداخل أو التشريك في العبادات هي من المسائل
الشهيرة التي كثر فيها بحث العلماء.
اختصارًا: إذا
وافق وقت ولادة مولود جديد وقت أضحية العيد فيشرع عَقّ العقيقة عنه في نفس الأيام،
فإذا اختار الأب أن يذبح ذبيحة واحدة بنية الأضحية والعقيقة معًا:
•
فالفعل جائز ومجزئ عنهما عند الحنفية والحنابلة وبعض السلف، ويسقط الطلب
بالعبادتين بفعل واحد تيسيرًا على المكلف، تمامًا كدخول تحية المسجد تحت صلاة
الفريضة.
•
والفعل غير مجزئ عند الشافعية والمالكية، حيث يقررون أن الشاة الواحدة لا تقع إلا
عن أحدهما فقط، ويجب على الأب اختيار النية إما أضحية وإما عقيقة أو ذبح ذبيحتين
منفصلتين؛ لأن كلتيهما عبادة مقصودة لذاتها وذات سبب مستقل.
القواعد
الفقهية الحاكمة في الذبح عن الأضحية
والعقيقة
بنى
الفقهاء تكييفهم لهذه المسألة على قواعد أصولية وفقهية مهمة، أبرزها:
•
إعمال النيات في العبادات المتداخلة: حيث تتداخل
العبادات إذا اتحد جنسها وسقطت إحداهما بفعل الأخرى (مثل غسل الجنابة والجمعة، أو
تحية المسجد والفرض). ومن أجاز رأى أن جنس الذبح واحد والمقصود إراقة الدم تقربًا
لله في هذا الوقت.
• المقصود لذاته لا يتداخل: قاعدة تقابل
السابقة، ومفادها أن العبادة المقصودة لذاتها بأمر مستقل لا تندرج تحت عبادة أخرى.
فمن منع رأى أن الأضحية مقصودة لذاتها لشكر نعمة الحياة والعيد، والعقيقة مقصودة
لذاتها فداءً للمولود، فلا ينوب أحدهما عن الآخر.
•
الوسائل لا تتداخل إذا اختلفت المقاصد: فإراقة الدم هنا
وسيلة، لكن المقصد من الأضحية يختلف عن المقصد من العقيقة، والأصل في الوسائل
التعدد بتعدد المقاصد المستقلة.
آراء
المذاهب في تعدد النيات عن ذبيحة واحدة
انقسمت
المذاهب الأربعة في مسألة التشريك وتعدد النية في الذبيحة الواحدة (كالغنم) إلى
اتجاهين رئيسيين:
الاتجاه
الأول: الجواز والإجزاء (الحنابلة والحنفية)
يرى
أصحاب هذا الاتجاه أنه إذا اجتمعت أضحية وعقيقة في وقت واحد، أجزأت ذبيحة واحدة
عنهما إذا نواهما معًا. وهو قول الحسن البصري، ومحمد بن سيرين، وقتادة من السلف.
والعلة
عندهم أن المقصود من العبادتين هو إراقة الدم والتقرب إلى الله تعالى بالذبح في
زمن مخصوص، فتدخل إحداهما في الأخرى، كما يكتفي المغتسل بغسل واحد للجمعة والجنابة.
(المبدع
في شرح المقنع لابن مفلح، المجلد 3، كتاب الأضحية، ص 407: "وإن اجتمع
عقيقة وأضحية ونواهما أجزأ عن أحدهما في ظاهر كلامه... وقال أحمد في رواية حنبل:
أرجو أن تجزئ الأضحية عن العقيقة إن شاء الله تعالى)
الاتجاه
الثاني: المنع وعدم الإجزاء (الشافعية والمالكية)
يرى
الشافعية والمالكية أنه لا يصح الجمع بين النيتين في ذبيحة واحدة من الغنم، فإن
نواهما معًا لم يحصل له إلا أحدهما (أو تقع أضحية فقط أو تبطل النيتان وتصير لحمًا
هكذا عند بعضهم). وهو رواية عن الإمام أحمد، وذلك لأن كل واحدة منهما شعيرة مستقلة
مقصودة لذاتها وذات سبب خاص بها لا ترتبط بالأخرى، فالعقيقة فداء للمولود والأضحية
فداء عن النفس، فلا تقوم شاة واحدة بمقام فداءين.
(تحفة
المحتاج في شرح المنهاج للإمام ابن حجر الهيتمي، المجلد 9، كتاب الأضحية، ص
371: "وظاهر كلام الأصحاب أنه لو نوى بشاة الأضحية والعقيقة لم تحصل واحدة
منهما، وهو كذلك؛ لأن كل واحدة منهما سنة مقصودة لذاتها).
التنبيه
على أمر النية ومقصد المضحي
إن
مسألة "تعدد النيات" ترتبط ارتباطًا وثيقًا بـ مفهوم النية
والوسع المالي للمكلف، وهنا نبه العلماء على أمرين محوريين يتعلقان بمقصدك
ونواياك:
1. مقصد التيسير والقدرة المالية (نية الصالحين): إذا كانت نيتك في الجمع
بينهما هي الرغبة في إقامة الشعيرتين معًا (أداء حق الله في الأضحية، وشكر نعمته
على الوليد بالعقيقة) ولكن قدرتك المالية لا تسمح بشراء ذبيحتين،
فجمعت بينهما في ذبيحة واحدة آخذًا برخصة من أجاز من العلماء (كالحنابلة)؛ فهنا
مقصدك حسن ومأجور، ويُرجى لك نيل الثوابين تيسيرًا من الله، وفضل الله واسع لا
يُحد.
2. مقصد الاستخفاف بالعبادة أو الشح مع القدرة: أما إذا كان الإنسان غنيًّا
وموسرًا، ولديه سعة بالغة في المال، ولكن حمله "الشح" أو استثقال النفقة
على العبادات على أن يختصر ذبيحتين في ذبيحة واحدة؛ فهنا ينقص مقصد العبادة
الأصيل. العبادات المالية شرعت لابتلاء وبذل النفس والمال لله، والأفضل في حق
الموسر القادر بلا شك هو الإتيان بكل عبادة على حدة ليكون أعظم لأجره، وأكثر نفعًا
للفقراء، وخروجًا بيقين من خلاف العلماء الذين شددوا على أن التشريك للموسر فيه
كراهة أو منع.
وختامًا: إذا
كنت في ضائقة مالية أو قدرتك محدودة، فلا حرج عليك أبدًا في تقليد مذهب الحنابلة
والحنفية، واذبح شاة واحدة وانوِ بها (الأضحية والعقيقة معًا) وستجزئك بإذن الله.
أما إن كنت ميسور الحال وقادرًا، فالأفضل والأبرأ لذمتك عند عامة الفقهاء أن تذبح
ذبيحة للأضحية، وأخرى للعقيقة، تقبل الله منك، وبارك لك في مولودك وجعله من
الصالحين. والله تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: