الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الفتور والضعف
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
76 - رقم الاستشارة : 4481
06/04/2026
الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد:
فإن من الأسئلة التي تتكرر عند ملاحظة واقع الأمة اليوم، ما يراه البعض من ضعفٍ وتفرقٍ وهوانٍ، فيستشكل ذلك مع ما ثبت في النصوص من بقاء الخير في أمة الإسلام إلى قيام الساعة، فيسأل: هل أصبح المسلمون غثاءً كغثاء السيل؟ أم أن في الأمة خيرًا باقيًا؟
مرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على تواصلك معنا، وأسأل الله العلي القدير أن يشرح صدرك، ويرفع قدرك، وأن يجعلك من مفاتيح الخير ومغاليق الشر، وأن ينفع بك الإسلام والمسلمين، وبعد...
مفهوم «الأُمة» والجمع بين الواقع والنص
إن «أُمة الإسلام» هي الأمة الممتدة من مشرق الأرض إلى مغربها، والتي لا تقتصر على عالمنا العربي فحسب، بل تشمل كل من نطق بالشهادتين في العالم كله، من أدناه إلى أقصاه. والمتأمل في واقع هذه الأمة اليوم يرى مشهدًا مزدوجًا. فمن جهة، هناك ضعف وتفرُّق في الكلمة يشبه وصف «غثاء السيل» الذي ورد في الحديث الشريف الذي رواه أبو داود: «يُوشِكُ الأممُ أن تَداعَى عليكم، كما تَداعَى الأكَلةُ إلى قصْعتِها»، فقال قائلٌ: ومن قِلَّةٍ نحن يومئذٍ؟ قال ﷺ: «بل أنتم يومئذٍ كثيرٌ، ولكنَّكم غُثاءٌ كغُثاءُ السَّيلِ، ولينزِعَنَّ اللهُ من صدورِ عدوِّكم المهابةَ منكم، وليقذِفَنَّ اللهُ في قلوبِكم الوهْنَ»، فقال قائلٌ: يا رسولَ اللهِ، وما الوهْنُ؟ قال: «حبُّ الدُّنيا وكراهيةُ الموتِ». ومن جهة أخرى، يرى حيوية إيمانية وخيرًا كامنًا يؤكد أن هذه الأمة تمرض؛ لكنها لا تموت.
والحقيقة أن حديث: «الخيرُ فيَّ وفي أُمَّتي إلى يومِ القيامةِ» هو حديث –كما قال المحدثون- لا أصل له، لكن معناه صحيح؛ إذ ورد بمعناه ومراده حديث في صحيح مسلم، يقول فيه النبي ﷺ: «لا تَزالُ طائِفةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرينَ على الحَقِّ، لا يَضُرُّهم مَن خَذَلَهم، حتَّى يَأتيَ أمرُ اللهِ وهم كَذلك».
والفهم الصحيح يقتضي الجمع بين النصوص؛ فالخير في هذه الأمة باقٍ كبقاء الوحيين، ينتظر من يوقد جذوته في النفوس.
هل نحن الآن كغثاء السيل؟
لقد وصف النبي ﷺ حالة الضعف بدقة مذهلة في حديث أبي داود الذي ذكرناه، وبالتأمل في هذا الوصف النبوي «كغثاء السيل» نجد أن المقصود منه هو الكثرة التي لا فائدة منها، فالغثاء هو ما يطفو فوق السيل من شوائب لا وزن لها ولا قرار، تسير حيث جرفها التيار. وهذا يفسر كيف أن المسلمين الذين يقترب عددهم من مليارين، يفتقدون أحيانًا للقرار المستقل أو التأثير القوي بسبب تفرقهم.
كما أوضح ﷺ سبب الوصول إلى هذه الحال، فقال إن «الوهن» الذي هو حب الدنيا وكراهية الموت، هو العائق الحقيقي؛ فعندما تطغى الماديات والمصالح الضيقة على القيم والمبادئ، تضعف هيبة الأمة في قلوب أعدائها.
إذن، نعم، هناك قطاع واسع يعيش حالة «الغثاء»؛ لكن هذا لا يعني انعدام الخير في المجموع الكلي للأمة.
بقاء الخيرية في الأمة
رغم ضعف الأمة حاليًّا وتفرقها، فإن نصوص الوحي تبشر ببقاء جوهر الخير. يقول الله تعالى: ﴿كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ﴾ [آل عمران: 110]. وهذه الخيرية منوطة بالعمل والإيمان، وطالما وُجد المُصلحون فالخير باقٍ بإذن الله.
ويقول النبي ﷺ: «مَثَلُ أُمَّتي مَثَلُ المطَرِ، لا يُدرَى أوَّلُه خيرٌ أو آخِرُه» [رواه ابن حبان]. والمطر كله بركة أينما وقع نفع، وصلاح الأمة في آخر الزمان ممكن كما كان في أوله. وهناك البشارة التي ذكرناها في حديث مسلم: «لا تَزالُ طائِفةٌ مِن أُمَّتي ظاهِرينَ على الحَقِّ».
أمثلة عصرية على بقاء الخيرية
عندما ننظر بعين الإنصاف خارج إطار الصراعات السياسية، نجد مظاهر إيمانية حاشدة تؤكد أن الأمة حية في ضميرها، مثل:
- عمارة المساجد: إننا نرى تسابق المسلمين في كل قارات العالم على بناء المساجد وعمارتها بصورة مبهرة. والأهم من عمارة البنيان هي عمارة الإنسان؛ حيث تكتظ المساجد بالمصلين في صلوات الجمعة والتراويح، وتزدحم بمجالس العلم وتحفيظ القرآن للصغار والكبار، مما يعكس تمسكًا عميقًا بالهوية.
- الإقبال على القرآن: لا يكاد يخلو بيت مسلم من حافظ أو متعلم، والمسابقات الدولية للقرآن الكريم تظهر نوابغ من دول قد لا يتحدث أهلها العربية؛ لكن قلوبهم وعقولهم تشربت الوحي.
- العمل الخيري العابر للحدود: المسلمون هم الأكثر تبرعًا وعطاءً في العالم؛ فبمجرد وقوع كارثة في أي بقعة، تتداعى الجمعيات والمبادرات الفردية لإغاثة الملهوفين، مصداقًا لقوله ﷺ: «مَثَلُ المُؤمِنينَ في تَوادِّهم وتَراحُمِهم وتَعاطُفِهم مَثَلُ الجَسَدِ، إذا اشتَكى منه عُضوٌ تَداعى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والحُمَّى» [رواه مسلم].
- الثبات على المبادئ: يبرز –مثلًا- أهل غزة كأعظم مثال معاصر على الثبات والصبر واليقين. فرغم الحصار والدمار والألم الذي لا تطيقه الجبال، نراهم صامدين محتسبين، يضربون للعالم أجمع دروسًا في العزة والكرامة والتمسك بالأرض والمقدسات. وغير أهل غزة كثيرون في شتى بقاع العالم صابرون ثابتون على إيمانهم رغم الصعوبات والفتن؛ هذا الثبات الأسطوري لا يمكن أن يصدر عن غثاء، بل هو نتاج إيمان راسخ وتربية قرآنية عميقة، وهو الدليل القاطع على أن في الأمة رجالًا لا تزلزلهم الفتن.
وختامًا أخي الكريم، إن الأمة الإسلامية تعيش اليوم صراعًا بين «غثائية» في بعض جوانبها، وبين «خيرية» جوانب أخرى. والأمل في الله كبير، والبشائر لا تنقطع، والواجب علينا ألا نغرق في اليأس، بل نسعى لنكون من الغيث المبارك.
أسأل الله -عز وجل- أن يبرم لهذه الأمة أمر رشد، يُعز فيه أهل طاعته، ويُهدى فيه أهل معصيته، وأن يستعملنا ولا يستبدلنا. اللهم انصر المستضعفين من المسلمين، واجمع كلمتنا على ما يرضيك، واجعلنا من أهل الخير وبناة الحق. وصلِّ اللهم وسلِّم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط ذات صلة: