الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : الابتلاءات والمصائب
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
7 - رقم الاستشارة : 6286
05/11/2026
كنت أفهم أن الابتلاء مهما طال فإنه ينقضي ويأتي بعده عوض من الله، واستشهدت بقصص الأنبياء وما عوّضهم الله به، وكنت أرى أن العوض قد يأتي بصور مختلفة. ثم سمعت أن هذا الفهم غير صحيح، وأنه لا يلزم أن يكون بعد الابتلاء عوض في الدنيا.
فأسأل: ما الفهم الصحيح لمسألة العوض بعد الابتلاء؟
وهل العوض مضمون في الدنيا، أم أن الثابت هو الأجر في الآخرة؟
وكيف أفهم قصص الأنبياء في هذا الباب؟
كيف أصبر على الابتلاء وأنا اعرف أن ممكن العوض لا يأتي.
أنا أعرف أن الدنيا دار اختبار لكن إيش اللي يعينني على الصبر؟
وكيف أجعل الآخرة أكبر همّي، دون أن أعلّق صبري بانتظار تغيّر حالي في الدنيا؟
وهل يصح أن أتعبد الله وأدعوه بنيّة الأمرين معاً، تيسير أمور الدنيا ودخول الجنة؟ أم أن في ذلك نقصاً في الإخلاص؟
ولدي
الكريم، مرحبًا بك، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يشرح صدرك،
ويثبِّتك بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة، وأن يرزقك صبرًا جميلًا
ورضًا بقضائه ويقينًا بوعده، وبعد...
فإنك
لم تذكر نوع الابتلاء الذي تمر به، لذا سيكون جوابي لك عامًّا يصلح لكل ابتلاء إن
شاء الله تعالى، سواء كان ضيق رزق، أو تأخر أمر تتمناه، أو فقد عزيز، أو مرضًا.
الفهم
الصحيح لمسألة العوض بعد الابتلاء
كلا
الفهمين اللذين مرَّا بك فيه جزء من الحق، وفيه موضع يحتاج إلى ضبط. فمن جعل العوض
عقدًا، يقول فيه: «صبرتُ فلا بد أن يعطيني الله كذا في وقت كذا»، فقد حمَّل النصوص
ما لا تحتمل. ومن نفى أن يكون لله فرج أو عوض في الدنيا فقد ضيَّق ما وسَّعه الله
من رحمته. والصواب بين الطرفين، وأوضحه لك في ثلاث نقاط:
-
ما هو مقطوع به لكل مؤمن صابر: أن الله لا يضيِّع أجره، وأن أجره يوفَّى
بلا حساب. قال تعالى: ﴿إِنَّمَا يُوَفَّى
الصَّابِرُونَ أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾ [الزمر: 10]، وقال: ﴿وَاصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لَا يُضِيعُ أَجْرَ
الْمُحْسِنِينَ﴾ [هود: 115].
-
ما هو موعود به وعدًا عامًّا: أن اليسر يصاحب العسر، وأن الله يجعل
للمتقي مخرجًا، وأن الدعاء لا يذهب سدى. ﴿فَإِنَّ
مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا * إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا﴾ [الشرح: 5 و6].
وهي وعود صادقة؛ لكنها لم تحدد صورة اليسر ولا زمنه، فاختيارهما لله وحده.
-
ما لم يُوعد به على التعيين: أن يعود إليك عين ما فقدت، أو في الموعد
الذي تحدده، أو بالصورة التي رسمتها في خيالك.
فلعل
من نبهك أراد أن العوض الدنيوي ليس مضمونًا بصورته ولا بزمنه، وهذا صحيح؛ لكن ليس
معناه أن تيأس، فقد جاء في الحديث القدسي: «أنا عند ظنِّ عبدي بي» [متفق عليه].
فأنت مأمور بحسن الظن، أي أن تتوقع الخير من ربك دون أن تقيده بصورة معينة: ﴿وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ
وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ
وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾ [البقرة: 216].
هل
العوض مضمون في الدنيا أم مؤجل إلى الآخرة؟
الثابت
عمومًا هو الأجر عند الله...
أما
العوض في الدنيا: فهو من فضل الله وكرمه؛ يقع كثيرًا ويُرجى دائمًا؛
لكن الله لم يجعله شرطًا لازمًا في كل ابتلاء ولا بكل صورة. فالدنيا ليست ميزان
الفوز، وانظر إلى قصة أصحاب الأخدود في سورة البروج، والتي قص علينا النبي ﷺ تفاصيلها:
ملكٌ حفر الأخاديد وأوقد فيها النار، وخيَّر المؤمنين بين الكفر والإلقاء فيها.
وجاءت امرأة معها صبيها فترددت، فنطق الصبي: «يا أُمَّهْ اصبري فإنكِ على الحق»
[رواه مسلم]. وعقَّب القرآن على قصتهم: ﴿إِنَّ
الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ
تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ ذَلِكَ الْفَوْزُ الْكَبِيرُ﴾ [البروج: 11]. فسمّى
الله ذلك فوزًا كبيرًا؛ لا لأن الألم زال في الدنيا، بل لأن المآل جنات.
وأما
أن بشارة الله حق وإن تأخرت: فقد جاء الصحابة رضوان الله عليهم إلى
النبي ﷺ، وهو متوسد بردة له في ظل الكعبة، يشكون ما يلقون من أذى قريش، ويطلبون
منه أن يدعو لهم. فذكَّرهم بمن قبلهم، ممن كان يُحفر له في الأرض ويُنشر بالمنشار
حتى يُشق نصفين ولا يصده ذلك عن دينه، ثم قال: «والله ليتمَّنَّ هذا الأمر حتى
يسير الراكب من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا الله، أو الذئب على غنمه، ولكنكم
تستعجلون» [رواه البخاري]. فالبشارة صادقة، والعتاب إنما وقع على الاستعجال. ومن
جميل الفأل أن تجد في الحديث المذكور ذكر صنعاء وحضرموت، وهما في بلدك!
ثم
إن العوض الدنيوي حقيقة لا خرافة، فقد روت أم سلمة -رضي الله عنها- عن النبي ﷺ:
«ما من عبدٍ تصيبه مصيبة فيقول: إنا لله وإنا إليه راجعون، اللهم أْجُرني في
مصيبتي، وأخلِفْ لي خيرًا منها، إلا أجره الله في مصيبته، وأخلف له خيرًا منها»
[رواه مسلم]. وقد قالت ذلك حين مات زوجها أبو سلمة رضي الله عنه وهي تقول في
نفسها: من خير من أبي سلمة؟ فأخلف الله لها خيرًا منه، إذ تزوجها رسول الله ﷺ.
فانظر كيف جمع الدعاء بين الأجر والخَلَف، وكيف أن الخَلَف لا يلزم أن يكون من جنس
المفقود؛ بل ربما كان أفضل منه.
وأما
الدعاء الذي لا يبدو أنه استُجيب: ففي الحديث: «ما من مسلم يدعو
بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه الله بها إحدى ثلاث: إما أن تُعجَّل
له دعوته، وإما أن يدّخرها له في الآخرة، وإما أن يصرف عنه من السوء مثلها».
قالوا: إذن نُكثر؟ قال: «الله أكثر» [رواه أحمد]. فلا دعاءَ يضيع.
وبذلك
كله يا بني نعرف أن العوض يأتي بصور شتى: رفع للبلاء نفسه، أو خَلَف أفضل من جنس
المفقود أو من غيره أو من أفضل منه، أو سكينة ورضًا يملآن القلب مع بقاء البلاء،
أو دفع شر أعظم لا تعلمه، أو ادخار لما هو أعظم في الآخرة. ومنها تكفير الخطايا
ورفع الدرجات، فقد قال النبي ﷺ: «ما يصيب المسلم من نصبٍ ولا وصبٍ ولا همٍّ ولا
حزنٍ ولا أذًى ولا غمٍّ، حتى الشوكة يُشاكها، إلا كفّر الله بها من خطاياه» [متفق
عليه].
كيف
نفهم قصص الأنبياء في هذا الباب؟
أخبرنا
الله عز وجل عن غاية هذه القصص: ﴿وَكُلًّا نَقُصُّ
عَلَيْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الرُّسُلِ مَا نُثَبِّتُ بِهِ فُؤَادَكَ﴾ [هود:
120]. فهي لتثبيت القلب، وإذا قرأتها بهذه العين وجدتَ ثلاث حقائق:
الأولى:
عوضٌ جاء مضاعفًا: هذا أيوب عليه السلام: ﴿وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ
وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ * فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ
ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا
وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ﴾ [الأنبياء: 83 و84]. وتأمل أدبه: لم يصرِّح
بطلب، بل ذكر حاله وأثنى على ربه بالرحمة. ومع ذلك سمَّاه الله صابرًا وأثنى عليه:
﴿إِنَّا وَجَدْنَاهُ صَابِرًا نِعْمَ الْعَبْدُ
إِنَّهُ أَوَّابٌ﴾ [ص: 44]. فطلب الفرج لا ينقض الصبر.
الثانية:
أنبياء لم يروا ثمرة دعوتهم في حياتهم: فقد أخبر النبي
ﷺ أنه عُرضت عليه الأمم، فرأى من الأنبياء من معه الرهط، ومن معه الرجل والرجلان،
ومن ليس معه أحد. وأخبر القرآن عن قتل بني إسرائيل لبعض الأنبياء: ﴿فَفَرِيقًا
كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ﴾ [البقرة: 87]. فهل خسر المقتولون؟ حاشا لله.
إن قياس النجاح بالنتائج الدنيوية ليس ميزان الله.
الثالثة:
تعامل سيد الأنبياء ﷺ مع ابتلاء الفقد: لما مات ابنه
إبراهيم دمعت عيناه وقال: «إن العين تدمع، والقلب يحزن، ولا نقول إلا ما يرضي
ربنا، وإنا بفراقك يا إبراهيم لمحزونون» [رواه البخاري]. وقال: «إن له مُرضعًا في
الجنة» [رواه البخاري]. ففي موقف واحد رأينا أن الحزن لا ينافي الرضا، وأن العوض
قد يُؤجَّل إلى الآخرة.
فاقرأ
قصص الأنبياء في ضوء رحمة الله وحكمته التي تتخذ صورًا شتى، ولا نحيط بها.
كيف
نصبر ونحن نعلم أن العوض قد لا يأتي؟
اعلم
يا بني أن الشرع لم يربط قيمة صبرك بالنتيجة، فالنبي ﷺ يقول: «عجبًا لأمر المؤمن،
إن أمره كله خير، وليس ذاك لأحد إلا للمؤمن: إن أصابته سرَّاء شكر فكان خيرًا له،
وإن أصابته ضرّاء صبر فكان خيرًا له» [رواه مسلم]. ولم يقل: «وإن أصابته ضراء صبر
فجاءه الفرج» بل جعل الخير في الصبر ذاته، فالمؤمن رابح في الحالين.
وانظر
ما بشَّر الله به الصابرين في آية البلاء: ﴿أُولَئِكَ
عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَرَحْمَةٌ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ﴾
[البقرة: 157]. ثناءٌ من الله، ورحمة، وهداية، وكلها تتحقق للصابر ولو بقي واقعه
على حاله.
وأما
كيف تصبر فعلًا، فلا تحسب الصبر قوةً تولِّدها من نفسك وقتما تريد! فالله –تعالى-
يقول لنبيه ﷺ: ﴿وَاصْبِرْ وَمَا صَبْرُكَ إِلَّا
بِاللَّهِ﴾ [النحل: 127]، ويقول النبي ﷺ: «ومن يتصبر يصبره الله، وما أُعطي
أحدٌ عطاءً خيرًا وأوسع من الصبر» [متفق عليه]، أي أن عليك أن تتكلف الصبر دائمًا
بقدر ما تطيق، فيعينك الله عليه ويزيدك. واحتمال ألا يأتيك العوض الذي تتخيله هو
الذي يُنقِّي صبرك ويخلصه لله عز وجل.
ما
الذي يعيننا على الصبر؟
قلت
إنك تعرف أن الدنيا دار اختبار؛ لكنك تعرف هذا بعقلك، وهو أول الطريق؛ لكن بقي أن
ينزل العلم من العقل إلى القلب، وهذا لا يحصل إلا بغذاء يومي للقلب. وإليك هذه
المعينات من كتاب ربنا عز وجل وسنة نبيه ﷺ:
1-
الصلاة والقرآن والذِّكر والشكوى لله: قال تعالى: ﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإِنَّهَا
لَكَبِيرَةٌ إِلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾ [البقرة: 45]. فالصلاة هي التي
تضع فيه همَّك بين يدي الله. وقال: ﴿أَلَا بِذِكْرِ
اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]. ولا تظن أن الشكوى إلى الله
تنقض الصبر، فهذا يعقوب عليه السلام، وهو صاحب الصبر الجميل، قال: ﴿إِنَّمَا أَشْكُو بَثِّي وَحُزْنِي إِلَى اللَّهِ﴾
[يوسف: 86]. فاجعل لك سجدةً طويلة تفضي فيها إلى ربك بكل ما في صدرك.
2-
دعاء مأثور تلزمه في الكرب: قال النبي ﷺ: «دعوات المكروب: اللهم
رحمتك أرجو، فلا تكلني إلى نفسي طرفة عين، وأصلح لي شأني كله، لا إله إلا أنت»
[رواه أبو داود]. دعاء قصير يجمع الرجاء والافتقار وطلب الإصلاح، فاحفظه وردِّده
صباحًا ومساءً وكلما اشتد عليك الهم.
3-
صحبة صالحة: من أخطر ما في الابتلاء أنه يدفعك إلى العزلة، والقرآن
يوجّه إلى عكس ذلك: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ
الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ﴾
[الكهف: 28]. فابحث عن صديق صالح، أو حلقة قرآن، أو درس في مسجد قريب.
4-
أن ترى ما بقي لا ما ذهب فقط: قال النبي ﷺ: «انظروا إلى من هو أسفل
منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم، فهو أجدر ألا تزدروا نعمة الله عليكم» [رواه
مسلم]. ولا أقصد التقليل من ألمك، فألمك حقيقي ومعتبر، وإنما أن تبقى عيناك
مفتوحتين على ما لم يُؤخذ منك: دينك، وعقلك، وقدرتك على السجود والدعاء، ومن
يحبونك.
واعلم
يا بني أن الله لا يحمَّلك أبدًا فوق طاقتك: ﴿لَا
يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾ [البقرة: 286]. فإن أحسستَ في
ساعات الضعف أن الحِمل أثقل منك، فذلك شعور غير حقيقي.
كيف
تجعل الآخرة أكبر همك دون أن تعلق صبرك بتغيُّر حالك؟
أن
تكون الآخرة أكبر همك لا يعني أن تهجر الدنيا أو لا تقضي حاجاتك منها. فقد أوصى
الناصحون من قوم قارون صاحبهم: ﴿وَابْتَغِ فِيمَا
آتَاكَ اللَّهُ الدَّارَ الْآخِرَةَ وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾
[القصص: 77]. وعلمنا النبي ﷺ أن ندعو: «ولا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا»
[رواه الترمذي]. فللدنيا نصيب من اهتمامنا؛ لكنها لا تتصدَّر.
ثم
اسمع هذا الحديث: «من كانت الآخرة همَّه جعل الله غناه في قلبه، وجمع له شمله،
وأتته الدنيا وهي راغمة» [رواه الترمذي]. وتأمل كيف بدأ بغنى القلب وجمع الشمل،
وهما عطاءان باطنان يقعان ولو بقي الحال الخارجي كما هو، ثم ذكر إقبال الدنيا.
وإقبال الدنيا كرمٌ زائد من الله لا يصح أن تجعله شرطًا لعبادتك، لأن من جعل غايته
الوحيدة من العبادة أن تُقبل عليه الدنيا فقد جعل الدنيا همَّه في ثوب الآخرة!
فبدل
أن تسأل: متى يتغير حالي؟ اسأل: ما العبادة المطلوبة مني في حالي هذا؟ فلكل حال
عبادتها: في الضيق صبر وتضرُّع، وفي الفقد رضا وإحسان، وفي الانتظار سعي وحسن ظن.
ومما
يعينك على تكبير الآخرة في قلبك أن تستحضر مشهدًا ذكره النبي ﷺ. أخبر أنه يؤتى يوم
القيامة بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيُغمس في النار غمسة فينسى كل نعيم، ثم
قال: «ويُؤتى بأشدّ الناس بؤسًا في الدنيا من أهل الجنة، فيُصبغ صبغةً في الجنة،
فيُقال له: يا ابن آدم، هل رأيتَ بؤسًا قط؟ هل مرّ بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا
رب، ما مر بي بؤسٌ قط، ولا رأيتُ شدة قط» [رواه مسلم]. غمسة واحدة في الجنة تُنسي
كل ما كان. فإذا ثقلت الدنيا على قلبك فاسترجع هذه الصورة.
هل
يصح أن تدعو الله بنيَّة تيسير الدنيا ودخول الجنة؟
نعم
يصح، وليس في ذلك نقص في الإخلاص بذاته، بل هو هدي النبي ﷺ وهدي الأنبياء قبله.
قال أنس رضي الله عنه: «كان أكثر دعاء النبي ﷺ: اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنة
وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار» [متفق عليه].
ولما
خرج موسى عليه السلام من مصر خائفًا غريبًا جائعًا، لم يزد على أن قال: ﴿رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ﴾
[القصص: 24]. حاجة دنيوية محضة بلسان المفتقر، فساق الله إليه بعدها عملًا وزوجة.
وإبراهيم عليه السلام سأل الجنة فقال: ﴿وَاجْعَلْنِي
مِنْ وَرَثَةِ جَنَّةِ النَّعِيمِ﴾ [الشعراء: 85].
وسأل
النبيُّ ﷺ رجلًا: كيف تقول في الصلاة؟ فقال: أتشهد ثم أقول: اللهم إني أسألك الجنة
وأعوذ بك من النار، وإني لا أحسن دندنتك ولا دندنة معاذ. فقال ﷺ: «حولها ندندن»
[رواه أبو داود]. أي أن مدار دعائنا وعبادتنا حول هذا المطلب.
والشرع
نفسه يربط بعض العبادات بمنافع دنيوية. قال النبي ﷺ: «من أحبَّ أن يُبسَط له في
رزقه، ويُنسَأ له في أثره، فليصل رحمه» [متفق عليه]. فذكر الشارع ثمرةً دنيوية
حافزًا لعبادة، ولو كان طلب مثلها ينافي الإخلاص لما حفَّز عليها.
كما
أن الدعاء عبادة بذاته. قال النبي ﷺ: «الدعاء هو العبادة» [رواه أبو داود]، وقال
تعالى: ﴿وَقَالَ رَبُّكُمُ ادْعُونِي أَسْتَجِبْ
لَكُمْ إِنَّ الَّذِينَ يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِي سَيَدْخُلُونَ جَهَنَّمَ
دَاخِرِينَ﴾ [غافر: 60]. فجعل الله الاستكبار عن دعائه استكبارًا عن
عبادته. فسؤالك الله أمور دنياك عبادة، والإمساك عنه بحجة الإخلاص أقرب إلى الجفاء
منه إلى الإخلاص.
ويحمي
نيتك سؤالٌ واحد: ماذا يحدث في قلبك لو مُنعتَ شيئًا من الدنيا؟
إن
النبي ﷺ ذم عبد الدينار والدرهم، وجعل علامته: «إن أُعطي رضي، وإن لم يُعطَ سخط»
[رواه البخاري]. فالمذموم أن تصير الدنيا هي المعبود، لا أن تُسأل من الله. وعلامة
الصدق أن تدعو وتبذل السبب وتحسن الظن، ثم ترضى بما يختاره الله وإن خالف ما طلبت.
وهذا ما نتعلمه من دعاء الاستخارة، إذ نسأل الله أن يقدِّر لنا الخير حيث كان ثم
يُرضينا به. وإن أخّر الله عنك ما سألت فلا تترك الباب، فقد قال ﷺ: «يُستجاب
لأحدكم ما لم يعجل» [متفق عليه]، أي ما لم يقل: دعوتُ فلم يُستجب لي.
فإذا
استقام قلبك على هذا، فاجعل رغبتك في الجنة والفرج بابًا إلى ما هو أعلى: عبادة
المحب الشاكر. فقد تورمت قدما النبي ﷺ من طول القيام، فقيل له: أليس قد غفر الله
لك؟ فقال: «أفلا أكون عبدًا شكورًا؟» [متفق عليه].
وإن
الرغبة والرهبة صفتان أصيلتان للصالحين: ﴿وَيَدْعُونَنَا
رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ﴾ [الأنبياء: 90].
نصائح
عملية سريعة يمكنك تنفيذها فورًا:
1-
بعد كل أذان اترك هاتفك دقيقتين، وادعُ الله بما في قلبك من أمر دنياك وآخرتك.
2-
اضبط المنبه على الاستيقاظ قبل الفجر بنصف ساعة، وصلِّ ركعتين، ثم ادعُ بالترتيب:
حاجتك في الدنيا، ثم حاجتك في الآخرة، ثم اختم بسؤال الرضا بما يقضيه الله لك.
3-
اقرأ صفحة واحدة من القرآن على الأقل بعد الفجر أو العشاء بتدبُّر.
4-
قبل أن تنام تذكر ثلاث نعم منَّ الله بها عليك وحُرم منها غيرك، واحمده عليها.
5-
ساعد جارًا كبيرًا في السن، أو زُر مريضًا، أو تصدَّق ولو بالقليل. وافعل ذلك بنية
أن يفرِّج الله كربك.
6-
اختر حلقة قرآن أو درسًا قريبًا من بيتك، أو حتى على أي منصة دعوية على الإنترنت،
واحضره مرتين هذا الأسبوع. ولا تنتظر أن يتحسن مزاجك أولًا، فالحضور هو الذي
يحسِّنه بإذن الله.
7- اكتب
ورقة بما يمكنك فعله في أمر ابتلائك: مهارة تتعلمها، أو شخص تستشيره، أو باب
تطرقه، ثم أنجز خطوة واحدة منها قبل نهاية الأسبوع. وإذا هجمت عليك أفكار الندم
فاقطعها بعبارة: قدَّر الله وما شاء فعل.
8-
إن امتد الحزن وأخذ من نومك وشهيتك وقدرتك على العمل، فتحدث مع قريب تثق به،
واستشر مختصًّا نفسيًّا. وهذا من الأخذ بالأسباب المشروعة: «ما أنزل الله داءً إلا
أنزل له شفاءً» [رواه البخاري]. والاستعانة بالمختص لا تنقص من صبرك ولا من توكلك
شيئًا.
وختامًا
يا بني، ما عليك باختصار هو: صبر لا يشترط مقابلًا على الله، وأمل لا يتحدد بصورة
معينة، ويقين بآخرة أكبر من كل ما يفوتك.
إن
العوض في الدنيا من فضل الله، قد يأتي وقد يتأخر وقد يأتي بغير ما تتصور، أما
الأجر فلا يتخلف، وأعظم ما يناله الصابر أن الله معه. قال سبحانه: ﴿إِنَّ اللَّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ﴾ [البقرة: 153].
ومن كان الله معه فماذا فقد؟
اللهم
إني أسألك لولدي هذا قلبًا مطمئنًّا بقضائك، وصبرًا جميلًا لا يشترط ولا يتسخَّط،
ويقينًا يُهوِّن عليه مصائب الدنيا، وحسن ظن بك يملأ صدره. اللهم اجعل الآخرة أكبر
همه، وارزقه من الدنيا ما يغنيه ويعفه ويعينه على طاعتك. اللهم أصلح أحوال بلده
وأهله، وفرِّج عنهم كل كرب، وآتنا جميعًا خير الدنيا والآخرة، برحمتك يا أرحم
الراحمين. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
التردد بين الرضا والدعاء.. هل طلب الفرَج ينافي التسليم؟
تأخر استجابة الدعاء اختبار أم عقاب؟ وكيف أصبر؟