الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة في المهجر
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
257 - رقم الاستشارة : 3413
26/11/2025
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية متمرس ومشهور في منطقتي، لكنني أجد نفسي في معضلة بين واجب "الجرأة في بيان الحق" (خاصة في قضايا العقيدة وتصحيح المفاهيم المخالفة للتوحيد) وبين ضرورة "مراعاة التدرج" لعموم الناس الذين قد ينفرون أو لا يستوعبون الطرح المباشر.
سؤالي: متى تكون "الشدة" في الحق واجبة لئلا يتميع الدين، ومتى يكون "اللين والتدرج" أوجب لضمان القبول ورفع الحرج؟ وكيف أفرق في خطابي بين قضايا الثوابت العقدية التي لا تقبل المساومة أو التأجيل، وبين المسائل الفقهية الاجتهادية التي يمكن التخفيف فيها ومراعاة حال الجمهور؟ أرجو منهجًا يضع ميزانًا للتعامل مع هذه المسائل الحساسة في الخطاب العام. جزاكم الله خيرًا.
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلاً بك أيها الداعية الفقيه والشجاع، وشكر الله لك همتك في حمل أمانة التبليغ وبيان الحق دون وجل. إنكم تسألون عن "فقه الموازنة بين الحزم واللين في الدعوة"، وهو ميزان الأنبياء والعلماء الربانيين. فالحق يجب أن يُقال، ولكن الحكمة تقتضي أن يُقال في وقته وموضعه المناسبين، فليس كلُّ ما يُعلَم يُقال، وليس كلُّ ما يُقال قد حان أوان قوله.
بين العقيدة والفقه
يجب عليك أيها الداعية أن تعلم أن الميزان في هذه المسألة ينقسم إلى شقين رئيسيين: الأصول (العقيدة والتوحيد) والفروع (المسائل الفقهية والآداب). ففيما يتعلق بالأصول والثوابت العقدية، كالتوحيد الخالص، ونفي الشرك بجميع أنواعه (الغلو في الصالحين، والاستعانة بغير الله، أو الحكم بغير ما أنزل الله في الأصول)، فهذه لا تقبل المساومة أو التنازل أو الإخفاء، والشدة في الحق هنا قد تكون واجبة لئلا تُمَيَّع أصول الدين. فالجرأة في بيان التوحيد هي من صميم عمل الأنبياء، وكما قال الخليل إبراهيم عليه السلام لقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِّمَّا تَعْبُدُونَ * إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي﴾، لكن حتى في بيان التوحيد، يجب أن تكون الشدة موجهة إلى الباطل نفسه (الشرك أو البدعة)، لا إلى الشخص المخطئ، فتبين الحكم وتُظهر الرفق بالناس.
أما فيما يتعلق بالمسائل الفقهية الاجتهادية والفروع العملية (كالاختلاف في صفة الصلاة، أو تفاصيل العادات الاجتماعية، أو بعض المسائل المالية التي فيها خلاف معتبر بين أهل العلم)، فـ اللين والتدرج أوجب، ويُقدم الرفق والترغيب على التنفير والتعنيف.
التدرج في الخطاب
فالتدرج في الخطاب ليس تنازلاً عن الحق، بل هو اتباع لمنهج النبي ﷺ في التعليم، حيث قال لعائشة رضي الله عنها لما أرادت هدم الكعبة وإعادتها على قواعد إبراهيم: "لولا أن قومك حديثو عهد بجاهلية لنقضت الكعبة..." (متفق عليه).
فخشي النبي ﷺ من تنفيرهم من الإسلام بسبب مسألة فرعية أو شبه فرعية، وهذا دليل قاطع على أن التدرج ودرء المفسدة مقدم في الفروع. عليك أن تستحضر وصية موسى وهارون عليهما السلام عندما أمرهما الله بالذهاب إلى فرعون: ﴿فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى﴾، فإذا كان القول اللين مأمورًا به مع فرعون الطاغية، فهو أولى مع عوام المسلمين وأهل القبلة.
الجرأة والحكمة
فضع ميزانك على أساس: "الحق ثابت، ولكن كيفية إيصاله متغيرة بتغير حال المدعو"، فالجرأة تكون في عدم الخوف من لومة لائم في الثوابت، والحكمة تكون في اختيار أفضل الطرق لتلقي المعلومة في الفروع. واعلم أنك مأمور ببيان الحق، ولست مأمورًا بفرض نتيجته، والله يهدي من يشاء.
أسأل الله أن يرزقك الحكمة في البيان والجرأة في الحق، وأن يجمع لك بين لين موسى وحزم نوح، وأن يفتح على يديك قلوبًا كثيرة، وأن يجعلك من أئمة الهدى الذين يقتدى بهم.
روابط ذات صلة:
الدعوة إلى الله بين جرأة الصدع بالحق وحكمة مخاطبة القلوب
التوفيق بين المنهج التدرجي والمنهج الشمولي في الدعوة الفردية