فقه الجوار.. كيف يحقق الداعية الأمان المجتمعي في بيئات التعددية الدينية؟

Consultation Image

الإستشارة 26/03/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية أعمل في مدينة تتميز بتنوع ديني وعرقي كبير، وأواجه تحديًا في كيفية خطاب الشباب المسلم حول (العلاقة مع الآخر)؛ حيث يميل البعض منهم نحو الانغلاق التام بدعوى حماية العقيدة، بينما يندفع آخرون نحو الذوبان وتجاهل الثوابت.

والسؤال: كيف يمكنني استحضار (نموذج المدينة المنورة) لترسـيخ مفهوم التعايش السلمي كأصل شـرعي؟ وما هي المقاصد الكبرى التي يجب أن أوضحها لهم ليتحول التعايش من (مجرد شعار) إلى (سلوك يومي) يحفظ أمن المجتمع ويفتح آفاق الدعوة؟

الإجابة 26/03/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، حياك الله أيها الداعية الحكيم. إنك تضع يدك على أحد أهم (مقاصد الإسلام) في بناء العمران البشـري؛ فالتعايش السلمي في المنهج النبوي لم يكن (تنازلاً سـياسـيًّا) فرضته الظروف، بل كان (بناءً قيميًّا) يهدف لتحقيق مصالح العباد والبلاد.

 

إن الجواب على استشارتك يكمن في سبر أغوار (صحيفة المدينة) واستخراج مكنوناتها المقاصديَّة، وإليك التفصيل المنهجي لذلك:

 

أولاً: ترسـيخ (مرجعية المواطنة) (الحقوق والواجبات): يجب أن تبين للشباب أن النبي ﷺ حين دخل المدينة، لم يُقصِ أحدًا، بل وضع (وثيقة المدينة) التي اعتبرت سكانها (مسلمين ويهودًا ومشـركين) بمثابة (أمة واحدة من دون الناس) في الدفاع عن المدينة ومواجهة العدوان الخارجي. هذا التأسـيس يعني أن (الأمن المجتمعي) مسؤولية تضامنية؛ فلكلٍّ دينه، وللجميع وطنٌ يحمونه. إن تأصيل هذا المعنى يحمي الشباب من الانزلاق نحو خطاب (التخوين) أو (الإقصاء) لمن يشاركهم العيش.

 

ثانيًا: تحقيق (الأمن العقدي) والحرية الفكرية: أحد أعظم مقاصد التعايش في الإسلام هو حماية (حق الاختيار). إن السلم المجتمعي يفرز بيئة هادئة تسمح للعقل بالتفكير بعيدًا عن ضجيج الحروب. وضّح لطلابك أن التعايش السلمي يهدف إلى (تحقيق الأمان العقدي)؛ فحين يشعر الآخر بالأمان على نفسه وماله، يكون أكثر استعدادًا لسماع رسالة الإسلام وفهم جمالياتها. إن (الاضطرار) في الدين لا يصنع مؤمنًا، بينما (الاختيار) القائم على السلام هو الذي يبني العقيدة الراسخة.

 

ثالثًا: المقاصد التنموية (عمارة الأرض والتكافل): التعايش ليس مجرد (كفّ أذى)، بل هو (تعاون في البر).

 

ركّز في خطابك على المقاصد التالية:

 

1. عمارة الأرض: لا يمكن بناء حضارة أو اقتصاد قوي في ظل الصراعات البينية. التعايش هو الوقود الذي يسمح بالبناء والتنمية المشتركة.

 

2. التكافل الإنساني: النبيّ ﷺ حث على إكرام الجار وحفظ العهود بغض النظر عن دينه. إن تقديم (الإسلام العملي) عبر الخدمات الاجتماعية المشتركة (كحفر الآبار، أو إغاثة الملهوف) هو أبلغ وسـيلة لترجمة (وثيقة المدينة) في واقعنا المعاصر.

 

وأنصحك ختامًا بالآتي:

 

O استخدام (لغة القرآن): وظف المصطلحات القرآنية مثل (البر، القسط، المعروف) عند الحديث عن التعامل مع غير المسلمين، لربط سلوك الشباب بالنص الإلهي مباشـرة.

 

O الفرق بين (الولاء والبراء) و(البر والقسط): علمهم أن البراء من العقائد الباطلة لا يستلزم الظلم أو الاعتداء، بل إن (العدل) واجب مع الجميع {وَلَا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلَى أَلَّا تَعْدِلُوا}.

 

O إبراز (النماذج النبوية): ذكّرهم بجنازة اليهودي التي قام لها النبي ﷺ احترامًا للنفس البشـرية، ورهنه درعه عند يهودي؛ فهذه المواقف العملية تذيب الجليد النفسـي لدى الشباب.

 

O مواجهة التحديات: حذرهم من (دعاة الفتنة) والمحرضين الذين يقتاتون على الصـراعات، وبين لهم أن (المرجف) هو عدو للاستقرار المجتمعي أيًّا كان انتماؤه.

 

وأسأل الله العظيم أن يرزقك الحكمة في البيان، ويجعل سعيك في تأليف القلوب سبباً في أمان مجتمعك ورفعة دينك، ويجعلك من (دعاة السلام) الذين يقتدون بسـيد الأنام ﷺ.

 

روابط ذات صلة:

بين الحنين والذوبان.. أزمة الهوية لدى الداعية في المهجر

الدعوة في المهجر دون الاصطدام بثقافة المجتمع

كيف أكون داعية ناجحة في المهجر دون إثارة حساسية الناس؟

كيف أدعو زملاء العمل في الغرب دون خرق القوانين؟

دعوة الأصدقاء في الغرب بين الخوف من الإرهاب ورجاء الهداية

الرابط المختصر :