الإستشارة - المستشار : د. رجب أبو مليح محمد
- القسم : السياسة الشرعية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
17 - رقم الاستشارة : 5876
19/09/2026
ما تكييف عقد "الوكالة" أو "الولاية" في مشاركة المواطنين في اختيار الحاكم أو النواب عبر الاقتراع؟ وهل يلزم الناخب شرعًا التثبت من صلاحية المرشح، أم يسقط التكليف بمجرد الأداء؟
الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،
وبعد:
فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، مشاركة
المواطنين في اختيار الحكام ونواب المجالس النيابية عبر الاقتراع تُعد من النوازل
السياسية المعاصرة التي تتطلب تكييفًا شرعيًّا دقيقًا يربط النظم الإدارية
المعاصرة بأصول الفقه الإسلامي، لا سيما في باب "الولاية العامة"،
و"الوكالة"، و"الشهادة"، و"أهل الحل والعقد"، وبيان
ما يترتب على ذمة الناخب من مسؤولية شرعية في حسن الاختيار والتثبت.
اختصارًا:
التكييف
الفقهي للاقتراع: يُكيّف الاقتراع واختيار النواب أو الحكام شرعًا بأنه
"وكالة" أو "تفويض" و"اختيار" يقوم مقام بيعة أهل
الحل والعقد، حيث يوكل الناخبُ المرشحَ للنيابة عنه في التشريع والمراقبة وإدارة
شؤون الأمة، كما يُعتبر في الوقت نفسه "شهادةً" تزكيةً للكفاءة
والأمانة.
حكم
التثبت من صلاحية المرشح: يلزم الناخب شرعًا التثبت من صلاحية
المرشح وأمانته، ولا يسقط عنه التكليف لمجرد إسقاط البطاقة في صندوق الانتخاب؛ لأن
اختيار غير الكفء أو الخائن مع العلم بحاله أو التفريط في البحث يُعد خيانة
للأمانة وتعاونًا على الإثم والعدوان وشهادة زور محرمة.
وتفصيلاً:
أولاً:
جذور المفهوم عند العلماء المتقدمين أهل الحل والعقد والوكالة في الولايات:
تحدث
الفقهاء قديمًا عن طريقة اختيار الإمام أو الحاكم أو ممثلي الأمة عبر "أهل
الحل والعقد" والتوكيل في الولايات العامة.
قال
الإمام الماوردي في الأحكام السلطانية ص: 6: "وأما إمامة الصلاة والجهاد
فإنها تفتقر إلى اختيار أهل الحل والعقد ممن تنعقد الإمامة باختيارهم، ليكونوا
نوابًا عن الأمة في اختيار من تقوم به مصالحها".
وقرر
شيخ الإسلام ابن تيمية في السياسة الشرعية في إصلاح الراعي والرعية ص: 9-11 أصلاً
عظيمًا في وجوب تولي الأصلح والأقوى والأمين، واعتبر تولي غير الكفء مع وجود
الأصلح خيانة لله ورسوله والمؤمنين، فقال: "ويجب على الإنسان أن يستعمل في كل
مكان من هو أصلح لتلك البقعة... ومتى عيّن الرجل رجلاً وفي الطائفة من هو أصلح
منه، فقد خان الله ورسوله والمسلمين". وهذا ينطبق تمامًا على اختيار الناخب
لنائبه أو حاكمه.
ثانيًا:
آراء العلماء المعاصرين في تكييف الاقتراع وحكم التثبت:
الشيخ
محمد رشيد رضا في تفسير المنار وغيره من كتاباته السياسية: اعتبر الانتخابات ونظام
النيابة وسيلة عصرية لتحقيق "الشورى" الواجبة في الإسلام، وأكد أن
الناخب وكيل عن الأمة في إقامة العدل واختيار من يمثله، وأن هذا الاختيار أمانة
ثقيلة لا يجوز للنائب أو الناخب التلاعب بها.
الشيخ
محمد الغزالي في كتاباته عن الإسلام والاستبداد السياسي: شدد على أن اختيار النواب
عبر الاقتراع هو بمثابة "شهادة تزكية" و"وكالة تشريعية"، وأن
إعطاء الصوت لمن لا يستحق أو لمن يخون الأمة هو إثم عظيم وشهادة زور؛ لأن الناخب
يشهد أن هذا المرشح كفء أمين وهو خلاف ذلك.
الدكتور
يوسف القرضاوي في كتبه المعاصرة مثل فقه الدولة في الإسلام: فصّل في تكييف
الانتخابات واعتبرها عقدًا اجتماعيًّا ووكالة شرعية، وقرر أن الصوت الانتخابي
"شهادة"، قال رحمه الله: "الصوت الانتخابي شهادة حق، وتزكية
للمرشح، ووكالة عنه، ومن كتم الشهادة أو أعطاها لمن لا يستحق لمصلحة عشائرية أو
مادية فقد أثم إثمًا عظيمًا ودخل في زمرة شاهدي الزور".
القواعد
الفقهية الحاكمة مسؤولية الناخب في اختيار ممثليه:
قاعدة
«التصرف على الرعية منوط بالمنفعة»: فالناخب بما
يملكه من حق الاقتراع يجب أن يصرفه فيما يحقق مصلحة الأمة ويدفع عنها المفسدة،
باختيار الأصلح لا الأقرب لحظوظ النفس أو العصبية.
قاعدة
«ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب»: وبما أن إقامة
العدل واختيار النواب الأكفاء واجب شرعي لحفظ مصالح العباد، فإن الوسيلة المؤدية
إليه وهي "التثبت والبحث عن الكفاءة والأمانة" تصبح واجبة كذلك، ولا
يسقط التكليف بمجرد الشكليات.
قاعدة
«الشهادة بالحق وتحريم شهادة الزور»: اعتبار الصوت
الانتخابي شهادة؛ لقوله تعالى: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ}، وإعطاء الصوت
لغير المستحق مع العلم بحاله أو دون تثبت هو من شهادة الزور وكتمان الحق المحرمين
شرعًا.
قاعدة
«أداء الأمانات إلى أهلها»: لقوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ
يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا}، والولاية والنيابة
العامة أعظم الأمانات التي يجب توجيهها لمن يستحقها صدقًا وأمانةً وقوة. والله
تعالى أعلى وأعلم.
روابط
ذات صلة: