الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
23 - رقم الاستشارة : 6098
12/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية وإمام مسجد، أعيش في بيئة تحيط بها مظاهر الرفاهية والترف، وألاحظ أن بعض الدعاة وطلاب العلم من حولي بدأوا ينغمسون في حياة البذخ والنعيم، ويولون اهتماماً كبيراً بمظاهر الحياة الدنيوية من مساكن فاخرة، وسيارات حديثة، وملابس أنيقة، وموائد متنوعة، حتى أصبح همهم الأكبر هو توفير أسباب المتعة والراحة لأنفسهم ولأسرهم، وهذا انعكس سلباً على همتهم الدعوية، ونشاطهم الإيماني، فقلت خشوعهم في الصلاة، وفترت عزيمتهم في الدعوة، وتكاسلوا عن زيارة المرضى وتفقد أحوال المسلمين، وباتوا أكثر تعلقاً بالدنيا وزينتها.
كيف يمكنني كداعية أن أواجه هذا الداء الخطير، وأن أذكر نفسي وإخواني الدعاة بحقيقة هذه الحياة الدنيا، وأحذرهم من الانزلاق إلى مستنقع الترف الذي يفسد القلوب، ويُضعف الهمم، ويُبعد عن تحقيق رسالة الدعوة النبيلة، وأن أُبين لهم أن الزهد في الدنيا ليس فقرًا، بل هو قناعة ورضا وعزيمة على مواجهة تحديات العصر بروح إيمانية متوقدة؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، أخي الكريم، حياك الله، وبارك في غيرتك على دينك وإخوانك
الدعاة.
إن ما لمسته من
خطر داهم يهدد مسيرة الدعوة هو من أشد الآفات التي تواجه العاملين في حقل الدعوة
في عصرنا الحاضر، وهو مرض "الترف" الذي يبدأ كداء خفي في النفوس، ثم
يستفحل حتى يُضعف الهمة، ويُذهب البصيرة، ويُحبط العمل، وقديمًا قيل: "الترف
مِعْوَلُ الهدم في الدول والشعوب"، فكيف به إذا تسلل إلى قلوب الدعاة وصفوة
الأمة؟
والتَّرفُ كما
عرفه العلماء هو: "التنعم وسعة العيش، والتوسع في ملاذ الدنيا وشهواتها، وقد
يؤدي كل ذلك إلى الطغيان وعدم شكر النعم" وهو صفة أخلاقية مرذولة تضاف إلى
الغنى؛ فكم من غني شاكر بعيد عن الترف مترفع عنه، وكم من فقير يتصبب ترفًا في
قلبه.
وإن الترف ليس
مقصورًا على المال، بل قد يتعدى إلى التوسع في النوم، والإكثار من الطعام،
والإسراف في الملبس والمسكن، وغير ذلك مما يشغل القلب ويُذهِب الخشوع.
واعلم أن الترف
له آثار مدمرة على الدعاة، منها:
1. الغفلة عن درجات الآخرة العالية: فالمترف لا يرى إلا لذائذه وشهواته،
والدرجات العاليات لا تنال إلا باجتهادات ورياضات للنفس، وقد قال شيخ الإسلام ابن
تيمية لابن القيم: "هذا ينافي المراتب العالية، وإن لم يكن تركه شرطًا في
النجاة، فالعارف يترك كثيرًا من المباح برزخًا بين الحلال والحرام".
2. التعلق بمباهج
الحياة ونسيان الهدف منها: يملك
الترف على حياة الداعية، وتصبح همته متعلقة بالازدياد من المباهج، فيصير من
المترفين الذين حذرنا الله منهم بقوله: ﴿وَلَا
تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا
وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ﴾.
3. الخشونة في
القلوب وضعف التأثر: قسوة
القلب وقلة تأثره بالمواعظ، وضعف أو انعدام التلذذ بالعبادات والطاعات، واستثقالها.
4. التباطؤ في
قضاء الأمور: يمل
المترف إلى التسويف في الشؤون التي يراها صعبة، أو ستجر عليه شيئًا من التعب،
فتضيع الأوقات وتفوت الفرص.
5. ضعف الجانب
التربوي والدعوي: عدم
الاكتراث بالدعوة إلى الله، وضعف الاهتمام بأحوال المسلمين، وقلة الالتفات إلى
السنن النبوية.
فما هو العلاج
إذن؟
إنه العودة إلى
المنهج النبوي في الحياة، والتأسي بهدي السلف الصالح، فانظر إلى مسكن النبي ﷺ،
فكان (ضِجَاعُ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ الَّذِي يَنَامُ عَلَيْهِ بِاللَّيْلِ مِنْ
أَدَمٍ حَشْوُهُ لِيفٌ)، وانظر إلى قوله لأبي ذر: (مَا لِي وَلِلدُّنْيَا؟! مَا
أَنَا فِي الدُّنْيَا إِلَّا كَرَاكِبٍ اسْتَظَلَّ تَحْتَ شَجَرَةٍ، ثُمَّ رَاحَ
وَتَرَكَهَا)، هذا هو شعار الداعية الرباني، عيشة بسيطة
تقوّي العزيمة وتُصفّي القلب، وتُعين على حمل هموم الدعوة.
وإليك أخي الكريم
بعض الخطوات العملية لتتقي بها شبح الترف:
* تذكير النفس
والإخوان بفناء الدنيا وغرورها: قراءة
الآيات والأحاديث التي تبين حقيقة الدنيا، وتُزهّد فيها، وتُرغّب في الآخرة،
وتذكير النفس بأن المال متاع وزينة، ولكنه أيضًا ضرورة حسب موازين العيش، ووسيلة
من وسائل الجهاد في سبيل الله.
* التمسك بالزهد
والقناعة: وهو
ليس فقرًا، بل هو القناعة بما قسم الله، والرضا بالكفاف، والاقتصاد في الإنفاق،
والتوسع في حدود الحاجة، لا في حدود الشهوة، وقد قال النبي ﷺ: «قَدْ أَفْلَحَ مَنْ
أَسْلَمَ، وَرُزِقَ كَفَافًا، وَقَنَّعَهُ اللَّهُ بِمَا آتَاهُ» (رواه مسلم).
* مراقبة النفقة: محاسبة النفس على كل ما ينفق، وضبط
الميزانية، وتجنب الإسراف والتبذير، وعدم الإنفاق في وجوه الكماليات التي لا حاجة
حقيقية لها، قال تعالى: ﴿وَآتِ
ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ
تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ
الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾.
* الاعتبار بحال
السلف وأهل البأس من الدعاة: النظر
في سيرة الصحابة والتابعين، وكيف كانوا يعيشون حياة التقشف والجهاد، رغم ما فتح
الله عليهم من الفتوح والغنائم.
وأنصحك ختامًا
بالآتي:
* عليك أن تكون
قدوة حسنة في التزامك بالزهد والقناعة، فالناس ينظرون إلى فعل الداعية قبل قوله،
وكما قيل: "ليس الخبر كالعيان".
* لا
تنسَ أن الدعوة تحتاج إلى جهد ووقت، فإذا أضاعها الداعية في جمع المال والتمتع
بالدنيا، خسر الدنيا والآخرة، وتذكر أن الغنى الحقيقي هو غنى النفس، كما قال النبي
ﷺ: «لَيْسَ الْغِنَى عَنْ كَثْرَةِ الْعَرَضِ، وَلَكِنَّ الْغِنَى غِنَى
النَّفْسِ» (رواه البخاري).
وأسأل الله
العظيم أن يصلح أحوالنا وأحوال الدعاة، وأن يرزقنا القناعة والرضا، ويجنبنا الفتن
ما ظهر منها وما بطن، إنه سميع مجيب.
روابط ذات صلة:
في زمن المظاهر.. كيف نتحرر من سجن الماديات؟