الإستشارة - المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
- القسم : استشارات أخرى
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
10 - رقم الاستشارة : 6059
07/10/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحية طيبة للمستشارة الفاضلة.. أتوجه إليكِ بهذه الاستشارة وأنا أحمل في قلبي غصة وثقلاً كبيراً أرهق روحي. أعيش حالياً شعوراً مريراً ومؤلماً بالخذلان من الأشخاص المحيطين بي (من الأهل والمقربين)، حيث أشعر أن وجودي معهم باهت، وأنهم يتعاملون معي وكأنني بلا قيمة أو تأثير في حياتهم، ولا أجد منهم التقدير العاطفي أو الاهتمام الذي أستحقه.
لقد قرأت مؤخراً كلمات استوقفتني بشدة وهزت مشاعري لأنها تصف واقعي تماماً، كانت الكلمات تتساءل: "لماذا نبدو أثمن حين نموت؟ ولماذا لا يشعر الآخرون بقيمتنا إلا بعد الفراق أو الرحيل المفاجئ، فيبدؤون بالبكاء وتذكر التفاصيل وكتابة النثر البديع، بينما كان بإمكانهم فعل كل ذلك ونحن أحياء؟".
هذا الكلام جعلني أواجه حقيقة مشاعري؛ فأنا أشعر بالأسى لأن المقربين مني يستكثرون عليّ كلمة طيبة، أو سؤالاً دافئاً، أو جلسة حب حقيقية وأنا بين ظهرانيهم. يعاملونني بنوع من الإهمال والاعتياد الجاف، وكأن بقائي مضمون للأبد، بينما أنا أتحرق شوقاً لتبادل الضحكات واللحظات السعيدة التي أحلم بها معهم اليوم قبل الغد. أعيش في قلق مستمر وخوف من أن تمضي بي الحياة أو يأتي الفراق بغتة دون أن يدركوا قيمتي، وأجد نفسي عاجزاً عن تغيير هذا الجفاء المحيط بي، مما ولد عندي شعوراً بالانعزال العاطفي والإحباط الشديد.
وعليكم
السلام ورحمة الله وبركاته، وأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم في موقعك بوابة
الاستشارات الإلكترونية.
"لماذا نبدو أثمن حين نموت؟ ولماذا لا يشعر الآخرون بقيمتنا
إلا بعد الفراق أو الرحيل المفاجئ، فيبدؤون بالبكاء وتذكر التفاصيل وكتابة النثر
البديع، بينما كان بإمكانهم فعل كل ذلك ونحن أحياء؟".
سؤال
فلسفي مرتبط بالواقع ولم ينبت من الخيال.. ربما لأن الإنسان يعتاد على النعم
الموجودة في حياته.. سواء كانت هذه النعمة إنسانًا يقدم الود والدفء والحب أو كانت
النعمة صحة تجعلنا نتحرك في الحياة بشكل عفوي تلقائي أو كانت النعمة مكانًا آمنًا
يمنح الإنسان طمأنينة.. أو كانت النعمة عملاً ومصدر دخل يحقق الرفاه.. عندما يعتاد
الإنسان على النعمة لا يفكر فيها ولا يشعر بالامتنان نحوها وربما لا يشكر المنعم
أيضًا.. يتم التعامل معها كشيء مضمون ثابت.. لقد حكى القرآن عن فكرة الاعتياد أو
الألفة مع النعمة أو "الإيلاف" حتى يتنبه الإنسان لشكرها.
ولا
شك أن العلاقات الإنسانية هي من أكبر النعم في الحياة لأنه من غيرها نشعر بالوحدة
والاغتراب، ولكنها من أكثر الأشياء والنعم التي يعتادها الإنسان، وعندما تختفي
النعمة فجأة يكتشف الإنسان مدى عمقها وأهميتها بالنسبة له وقد تسيطر عليه مشاعر
الحزن والندم، ولو أنه تنبه من قبل لكان خيرًا له وخيرًا للآخر الذي كان ينتظر أن
يتم التنبه له وتقديره.
دافع
آخر قد يدفع الإنسان للإهمال في العلاقات هو نمط الحياة اللاهث الذي يجعلنا لا
نكاد نلتفت لهذه المشاعر الإنسانية حتى تبدو في بعض الأوقات كأنها بلا قيمة وربما
ذات قيمة سلبية بما تتكلفه من وقت.. الإنسان في ظل الحضارة المعاصرة تحكمه قيم
السوق وقيم الربح والخسارة، وهو في حالة من المنافسة والمسابقة المحمومة ووسط هذا
كله تتراجع لديه مساحة المشاعر وأهمية العلاقات.
إنسان
العصر الحديث هجر الهدوء والتأمل والتأني.. منشغل دائمًا حتى وهو لا يقوم بعمل ذي
قيمة وبالتالي فقد سلامه الداخلي.. حتى عندما يقترب ويصل رحمه مثلاً تجده يقوم بها
كمهمة وواجب شرعي بلا فقه لمقصد صلة الرحم فلا يقترب الاقتراب الكافي العميق ولا
يهتم الاهتمام الصادق الثري الذي يدفئ الروح.
كيف
يشرح الإنسان احتياجاته النفسية؟
أخي
الفاضل، بعيدا عن سؤالك الفلسفي دعنا نتحدث عنك أنت كإنسان يشعر بالمعاناة والحزن
والألم ولديه احتياجات نفسية غير مشبعة وأنت لم تشرحها واكتفيت بالحديث عن الخذلان
وأنك لم تحصل على التقدير الذي تستحقه.. لم تسمع الكلمات الطيبة التي كنت تتمنى
سماعها.. أنك لا تقضي معهم الوقت الكافي تتبادلون الضحكات الصافية.. أنت تتحدث عن
حالة جفاء في العلاقات القريبة منك انتهت بك للعزلة النفسية والشعور بالإحباط.
كنت
أتمنى أن تشرح لي بعض التفاصيل.. بعض المواقف التي حدثت.. كنت أتمنى أن تحدد من
تقصد بدائرتك القريبة التي تشعر معهم بالجفاء.
لكن
على أي حال أنت بحاجة لشرح احتياجاتك النفسية لتلك الدائرة دون لوم أو نقد.. هناك
مقولة شائعة خاطئة تمامًا تقول إن الاهتمام لا يُطلب والأمر ليس كذلك، فمن الوارد
جدًّا أن الآخرين غافلون تمامًا عن معاناتك ليس لأنهم لا يشعرون بك ولكن لأنهم
يرون أنهم يقدمون الاهتمام بطريقتهم.. يقدمون الحب بلغتهم.
وعلى
سبيل المثال قد تنتظر أنت الحب والاهتمام في الكلمات، سواء الكلمات العاطفية أو
كلمات التقدير حتى أنك ذكرت كلمات النثر الجميلة التي تقال بعد الفقد، ولكن الآخر
يقدم الحب والاهتمام عن طريق تقديم الخدمات والقيام بالمهام والمسئوليات ويرى ذلك
هو الحب الحقيقي.. الحب العملي أفعال لا أقوال، كما يقال.
هنا
أنت بحاجة أن تعبر عن احتياجاتك.. بحاجة للتواصل.. بحاجة للكلام والشرح لا لتقول
أنت لا تهتم بي ولا تقدرني فهذا لا يُجدي نفعًا.
قل
لمن يهمك أمره: أنا بحاجة للجلوس معك.. بحاجة للحديث معك.. بحاجة أن تسأل عني هكذا
أشعر أنني قريب منك.
ألا
ترى معي أنه من الظلم أن نحاسب إنسانًا دون أن نشرح له ما نحتاجه منه؟
شبكة
علاقات قوية
أخي
الكريم، أنت بحاجة لشبكة من العلاقات من الدائرة القريبة ومن الأصدقاء والرفاق
والزملاء بحيث تتوزع احتياجاتك النفسية عليهم جميعًا.. فهذا ستقضي معه وقتًا لطيفًا
على المقهى تشاهدون مباريات الكرة وتشربون القهوة وتضحكون من القلب وتقضون وقتًا
ممتعًا.
وهذا
ستصطحبه لزيارة مريض وسوف تأنس بالحوار الراقي بينكما أثناء الطريق.
وهذا
جارك الذي ستتفق معه على إصلاحات في البناية وتتبادلون الأخبار البسيطة والتي تصنع
بينكم ألفة.
وهذا
صديقك في النشاط التطوعي الذي تقوم به.. وهذا صديقك الذي يشبهك الذي قابلته في
ندوة.. وهذا صديقك الإلكتروني الذي لديه الاستعداد ليستمع لك وهكذا.
لم
أحدثك عن الوالدين والإخوة لأن هذا بحاجة أن تشرح لي ما يحدث بينك وبينهم بتفصيل
أكثر، لكن غالبًا يحدث نمط متكرر: رجل يهتم بعائلته وينتظر اهتمامًا مقابلاً
وتقديرًا لكنه لا يجد ما يحتاجه فيفسر ذلك بأنه غير مهم فيبتعد وينعزل فتظن عائلته
أنه بحاجة للابتعاد قليلاً فيمنحونه مساحته فيتأكد لديه نفس الفكرة أنه غير مهم
فيبتعد أكثر وينعزل ويشعر بالإحباط، وهنا علينا الانتباه للفارق بين السلوك الفعلي
الذي يقوم به فرد من العائلة مثلاً وبين تفسيرنا نحن لهذا السلوك، ومن ثم يتبع
التفسير شعور سلبي ومع التراكم يحدث الإحباط، ولكسر هذه الدائرة علينا ألا نتسرع
في تفسير السلوك.
أنا
لا أشكك يا أخي في مشاعرك، ولكنني أدعوك لتأمل مصدرها أو جذرها ستجد أنه تفسير
محتمل لموقف ثم بناء المشاعر عليه.. أتمنى أن تكتب مرة أخرى وتشرح أكثر وتأكد أننا
سننصت إليك ونتفهمك.. يسر الله أمرك وأسعد قلبك وحقق لك أحلامك.
روابط
ذات صلة:
عند الخذلان والخيانة.. هل الصمت قوة أم ضعف؟!