الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
124 - رقم الاستشارة : 4411
19/03/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا أتعامل دعويًّا مع أشخاص ملتزمين ظاهرًا، يحفظون النصوص، ويتكلمون بلغة شـرعية قوية، لكنهم سـريعو الغضب، قساة في أحكامهم، ينفّرون من حولهم، ويصعب الحوار معهم. كلما حاولت النصح اتُّهمت بالتمييع أو ضعف الغيرة. أشعر بالحيرة: كيف ندعو من يظن أنه وصل؟ وكيف نصل إلى قلب امتلأ بالعلم لكنه افتقد السكينة؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بك أيها الداعية الفاضل، وسؤالك هذا من أدقّ أسئلة فقه الدعوة؛ لأنه يتعلّق بمنطقة شائكة: حين يسبق العلمُ التزكية، فينشأ التدين بلا طمأنينة.
أولًا: التفريق بين (التدين) و(العبودية)؛ فليس كل من عرف الحكم عرف المقصد، وليس كل من حمل النصّ حمل روحه، وقد حذّر النبي ﷺ من هذا الصنف حين قال: (ربَّ قارئٍ للقرآن والقرآن يلعنه)، أي أن النصّ قد يكون حجة على صاحبه إن لم يُثمر خُلقًا وخشية.
ثانيًا: لماذا يغضب المتديّن؟ الغضب هنا ليس دائمًا غيرة، بل قد يكون:
O خوفًا داخليًّا مُغلّفًا بالحدّة.
O أو شعورًا بالتفوّق الأخلاقي.
O أو جفافًا روحيًّا سببه الاشتغال بالحكم دون الحكمة، فهذا المدعو مريض لا فاسد، محتاج تزكية لا مجابهة.
ثالثًا: المنهج النبوي في معالجة القسوة؛ فالنبي ﷺ لم يُواجه القسوة بالقسوة، بل بالاحتواء الهادئ، فالأعرابي الذي بال في المسجد لم يُوبَّخ، بل قيل له: (إن هذه المساجد لا يصلح فيها شيء من الأذى) وهذا درس عظيم: التصحيح بلا تحقير.
رابعًا: مدخل القلب قبل العقل؛ ومع هذا الصنف لا تنجح كثرة الأدلة، بل ينجح:
O التذكير بأسماء الله لا بأحكامه فقط.
O إحياء معاني الرحمة لا معارك الحق.
O استحضار المقاصد لا الجزئيات وحدها، قال تعالى: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ الله لِنتَ لَهُمْ﴾ [آل عمران: 159].
خامسًا: أخطاء يقع فيها بعض الدعاة مع هذا المدعو
O الدخول في صدام مباشـر.
O كسـر صورته أمام الناس.
O اتهامه في نيته.
O محاولة (هزيمته) لا إصلاحه، وهذا يزيده تصلبًا لا رجوعًا.
سادسًا: إرشادات عملية للتعامل معه
O لا تناقشه أمام جمهور.
O امدحه فيما أصاب قبل أن تُشير لما أخطأ.
O استخدم قصص السلف لا نقدًا مباشـرا.
O اربطه بسـيرة النبي ﷺ لا بآراء معاصرة.
O تذكّر أن القسوة أحيانًا صرخة استغاثة.
وفي الختام، أسأل الله أن يُلين القلوب بعد قسوتها، وأن يُصلح العلم بالخشية، ويجعلنا دعاة هداية لا قضاة إدانة، وأن يرزقنا بصيرةً تُنقذ لا تُقصي، وتُصلح لا تُجرّح.
روابط ذات صلة:
عندما يتحوّل المدعو الصعب إلى بوابة أجر