كيف نجدد الخطاب الدعوي ليكون أكثر تأثيرًا في وعي الشباب؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. عادل عبد الله هندي
  • القسم : مناهج الدعوة ووسائلها
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 10
  • رقم الاستشارة : 6287
02/11/2026

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا باحثة شرعية ومهتمة بالشأن الدعوي، أعمل منذ مدة في تأصيل الخطاب الدعوي وتقديم بعض المحاضرات التوجيهية للفتيات والشباب، ولكني ألحظ مع الأسف الشديد حالة من الفجوة الكبيرة والجمود في كثير من الخطابات الدعوية المعاصرة التي لا تلامس واقع الشباب والفتيات اليوم، بل ربما تنفرهم باستهلاك قوالب قديمة لا تناسب لغة العصر ومستجداته، أو تغرق في فرعيات لا تمس حاجاتهم الملحة، مما يجعل بعض النشء يقع ضحية للشبهات أو الانحرافات الفكرية والسلوكية المنتشرة في الفضائيات ومنصات التواصل الاجتماعي.

وسؤالي: كيف لنا أن نجدد هذا الخطاب الدعوي ليكون أكثر قربًا وتأثيرًا في وعي الشباب والفتيات، وكيف نوفق بين المحافظة على ثوابت الشريعة الغراء ومرونة الوسائل العصرية لرد الناس إلى حياض الحق برفق وحكمة؟

الإجابة 02/11/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أختي الكريمة، حيا الله سعيك، وبارك في حرصك على رقي العمل الدعوي، وفهمك العميق لمتطلبات العصر ومستجداته.

 

إن قضية تجديد الخطاب الدعوي ليست مجرد رفاهية فكرية أو صيحة عابرة، بل هي ضرورة شرعية ملحة تقتضيها حكمة الشريعة وشموليتها؛ فالإسلام جاء ليسعد البشرية في الدارين، ويدير حركة الحياة وفق أصول ثابتة ومتغيرات مرنة تتسع لزمان ومكان.

 

ولتحقيق هذا التجديد المنشود، يحسن بنا أن نفصل المعالم والركائز الأساسية التي يقوم عليها الخطاب الدعوي المعاصر الواعي:

 

أولاً: الجذور الشرعية والتأصيل المنهجي للتجديد

 

1. مراعاة لسان القوم ومستوياتهم: إن الشريعة الإسلامية قررت حقيقة تفاوت عقول البشر ومداركهم، وقد أشار المولى جل وعلا إلى أهمية التبيان ومراعاة حكمة البلاغ في محكم كتابه بقوله تعالى: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ لِيُبِّينَ لَهُمْ﴾ [إبراهيم: 4]. فاللسان هنا لا يقتصر على اللغة وحدها، بل يتعداه إلى اصطلاحات القوم، ومفاهيم عصرهم، والأساليب التي تصل إلى قلوبهم بأيسر طريق.

 

2. التحذير من تحميل العقول ما لا تطيق: ثبت عن عبد الله بن مسعود رضي الله عنه أنه قال: «مَا أَنْتَ مُحَدِّثٌ قَوْمًا حَدِيثًا لاَ تَبْلُغُهُ عُقُولُهُمْ إِلاَّ كَانَ لِبَعْضِهِمْ فِتْنَةً» فمن الخطأ الفادح مخاطبة الشباب اليوم بلغة العصور المتقدمة جدًّا أو بمسائل معقدة لا تمس واقعهم، مما يخلق فجوة عميقة ويزيد من تنفيرهم.

 

3. فقه الواقع ومقاصد الشريعة: لقد حذّر الإمام ابن قيم الجوزية رحمه الله من الجهل بأحوال الناس وأعرافهم عند توجيه الخطاب والفتوى، مبينًا أن الجهل بمقاصد الشريعة وتنزيلها على واقع الناس يعد جناية على الدين لا تقل خطورة عن جناية الطبيب الجاهل على أبدان الناس.

 

ثانيًا: ملامح وفوارق الخطاب الدعوي المعاصر (بين الجمود والتجديد)

 

• من الاستعلاء إلى الاحتواء: ينبغي للداعية المعاصر أن يتخلى عن لغة التعالي أو النقد الاستعلائي للجمهور والنشء، والانتقال إلى مرحلة الاحتواء العطوف، تمامًا كما ضرب لنا الشيخ محمد الغزالي رحمه الله نموذجًا فريدًا في استقبال العصاة والمحتارين واهتمامه بمعالجة عقولهم وأمراض قلوبهم بالحكمة والموعظة الحسنة، بدلاً من نفورهم بالغلظة والصد.

 

• من ضيق الحزبية إلى سعة الشريعة: إن حصر الدين في زوايا حزبية أو جماعية ضيقة يُضعف من أثر الدعوة؛ لذا يجب الانفتاح على رحابة الإسلام السمحة التي تتسع للجميع وتجمع الكلمة على الأصول الكلية.

 

• النزول إلى ميدان الشبهات المعاصرة: لا يمكن مواجهة الشبهات الفكرية المعاصرة (كالإلحاد المعاصر، والانحرافات القيمية، وشبهات التشكيك في الثوابت) بسياسة التجاهل أو الحظر الوهمي، بل يجب تفكيكها بالعلم الرصين، والحوار العقلي الهادئ، والردود التي تخاطب عقل الشاب وقلبه بلغة يفهمها ويحترمها.

 

ثالثًا: التوفيق بين ثوابت الشريعة ومرونة الوسائل

 

إن الثوابت الإسلامية من عقائد وأصول كليات وعبادات وأخلاق ثابتة لا تبدل ولا تغير بمرور الزمان، بينما الوسائل والأساليب والتقنيات متغيرة بتغير الأعراف والأزمنة. والتجديد الحقيقي يكمن في الحفاظ على جوهر الحق وثوابته الراسخة، مع إلباسه ثوبًا عصريًّا من الوسائل التقنية الحديثة ومنصات التواصل الاجتماعي، وتقديم الطرح بأسلوب شيق وجذاب يلامس الاحتياجات النفسية والتربوية للنشء.

 

وأنصحك أختي الكريمة بمواصلة مسيرتك الدعوية المباركة بعزيمة صادقة، وبصيرة نافذة، مع العناية التامة بالتأصيل العلمي الرصين، وفهم فقه الواقع المعاصر، والتسلح الدائم بالرفق واللين في دعوة الخلق؛ واعلمي أن استقطاب قلوب الناشئة والشباب يحتاج إلى صبر جميل وحكمة بالغة.

 

أسأل الله العظيم أن يبارك في جهودك، وأن يشرح صدرك، وأن يجعلك مفتاحاً للخير مغلاقاً للشر، وأن يوفقنا وإياك لما يحبه ويرضاه إنه سميع مجيب.

 

روابط ذات صلة:

كيف نطور خطابنا ووسائلنا الدعوية لجذب المراهقين؟

كيف نطور المحتوى الدعوي الرقمي الموجه للشباب؟

التعليقات

الرابط المختصر :