كيف تتم إعادة برمجة الدماغ لتغيير العادات؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : د. موسى المزيدي
  • القسم : إدارية
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 647
  • رقم الاستشارة : 1910
11/05/2025

السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، تحدثت سعادة الدكتور سابقًا عن ثلاث مراحل لتغيير العادات، لكن كيف تتم برمجة الدماغ للتعود على العادات الجديدة وتثبيتها للتخلص نهائيًّا من العادات القديمة؟

الإجابة 11/05/2025

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، أهلا ومرحبا بك أخي الفاضل على موقع استشارات المجتمع، وبعد:

 

فقد سبق الحديث عن ثلاث مراحل من عادات التغيير، مثل القناعة، والسؤال، والتريث، ونستأنف حديثنا عن مراحل أخرى مهمة أيضًا في تغيير العادات السيئة.

 

الإصرار والتكرار

 

أخي الكريم، نذهب بعد ذلك إلى المرحلة الرابعة من مراحل آلية التغيير "الإصرار"، مرحلة رائعة. عليك أن تصر على الحل، عليك أن تصر بحثًا عن الحل. الإصرار والتكرار والإعادة، وهناك أسرار عجيبة في الإعادة والتكرار. الإصرار مهم، إنّ الله يحب العبد الملحاح، يلِح في الطلب ويصر.

 

يقول هيربرت بنسون في كتابه "مذاهنتك القصوى" إن من الأمور التي يحتاج إليها الإنسان في إعادة برمجة دماغه الإصرار والتكرار بمعدل ثلاث مرات في اليوم كل مرة لفترة زمنية تصل إلى عشرين دقيقة.

 

ويقول ماكس أندرس: "الدماغ يحتاج إلى التكرار للتغيير".. فالتكرار هو وسيلة للدماغ لتحديد ما هو مهم ويجب تذكره وما هو غير مهم ولا يجب تذكره. يُنشئ التكرار مسارات عصبية في دماغنا تنتقل عبرها الأفكار. ونظرًا لكيفية بناء الدماغ ووظائفه، فكلما كررنا شيئًا ما كان المسار أعمق وأقوى في الذاكرة.

 

ثم هناك فكرة ذات صلة وهي قوة "التكرار المتباعد"، والتي تتضمن تكرار ما تحاول حفظه على مدى فترة زمنية مع وجود فجوات بينها. على سبيل المثال، أظهرت الأبحاث أن تكرار شيء ما 20 مرة على مدار اليوم أقل فعالية من تكرار شيء ما 10 مرات على مدار الأسبوع.

 

وبمجرد أن تترسخ ذكرى ما في ذاكرتنا طويلة المدى، يبدأ دماغنا بتجميع المعلومات إلى أجزاء منفصلة، مما يُسهّل ربط النقاط ورؤية الصورة الأكبر للأمور.

 

وكشف مقال في ناشيونال جيوغرافيك بعنوان "علم الدماغ الجديد" أن النشاط الكهربائي في الدماغ يشمل 100,000 ميل من الألياف العصبية التي تربط أجزاء الدماغ المختلفة، مما يؤدي إلى ما نفكر فيه ونشعر به وندركه.

 

في كل مرة نفكر فيها بفكرة، فإنها تسلك نفس المسار على طول مئات الآلاف من الأميال من الألياف العصبية. لذلك إذا فكرنا في فكرة ما مرارًا وتكرارًا، فإنها تأخذ نفس المسار مرارًا وتكرارًا، ويصبح من الأسهل على الفكرة أن تمر عبر الدماغ.

 

أخي الفاضل، ونحن -معشر المسلمين- عندنا من العبادات فيها ما فيها من الإعادة ما يجعلنا نصر على الوصول إلى الحلول. الصلاة تكرر خمس مرات في اليوم هذا إلى جانب السنن، ثم هناك قضايا كثيرة تكرر في حياتنا إلى جانب الأدعية الكثيرة المأثورة في أوقات معينة علينا أن نصر على تلك الأمور الموجودة في بيئتنا والتي تتلاءم وتتناسب مع صفاتنا.

 

المفاصلة

 

أخي الكريم، نذهب بعد ذلك إلى المرحلة الخامسة من مراحل آلية التغيير وهي مرحلة رائعة وهي مرحلة "المفاصلة". المفاصلة المقصود هنا من هذه الكلمة أن تفاصل أهل العادات السيئة، يعني تبتعد عن أهل العادات السيئة لأن وجودك معهم سيصيبك بشيء من عاداتهم السيئة.

 

أقول خاصم هؤلاء ولكن لا تهجرهم، هناك فرق بين المخاصمة والهجران. خاصمهم لمدة واحد وعشرين يوما، لمدة واحد وعشرين يوما حتى تضمن إعادة برمجة هذا الدماغ ثم بعد ذلك، بعد ذلك جالسهم، بعد ذلك أعنهم على تغيير عاداتهم السيئة.

 

الهجران يختلف عن المخاصمة. من يعلم منكم قائل هذه العبارة في التاريخ (هل تستطيع أن تغرب عني وجهك)؟ من قال هذه العبارة (هل تستطيع أن تغرب عني وجهك؟) قالها إنسان عظيم لشخص مسلم، قالها رسول الله ﷺ لوحشي بعد أن أسلم، ووحشي هو قاتل حمزة عم النبي ﷺ.

 

لا مانع أن يطلب الإنسان من إنسان آخر أن يبتعد عنه، لا مانع وخصوصا إذا كان هذا الإنسان الآخر يذكره بآلام وحادثات حدثت له في الماضي.

 

لا مانع من المخاصمة. نعم لكن هذه المخاصمة لا تأتي على حساب الواجبات تجاه هذا الإنسان المسلم، بمعنى آخر عيادة المريض وتشميت العاطس وإتباع الجنائز، هذه الواجبات أبدا لا تعطّل إنما يمضي الإنسان قدمًا في تطبيقها تجاه إخوانه المسلمين. هنا المخاصمة المقصود بها الابتعاد، والابتعاد المؤقت.

 

لا شك أن هذه القضية خطيرة وهي قضية فيها آلام.

 

أوجه هذا السؤال لك -أخي الفضل-: افترض أن لديك زميل عُمر، منذ الصغر وهو معك في المدارس الابتدائية والمتوسطة والثانوية ثم في الجامعة، وهو الآن زميل لك كذلك في الوظيفة.

 

إذا كان لديك زميل عمر هل تستطيع أن تخبر هذا الزميل وتقول له هل تستطيع أن تغرب عني وجهك لفترة زمنية تقدر بواحد وعشرين يومًا حتى أعيد برمجة هذا الدماغ؟

 

ينبغي أن تكون عندنا هذه الجرأة إذا أردنا أن نخوض هذه المرحلة. المرحلة الخامسة إذًا مفاصلة مؤقتة، ثم بعد إعادة برمجة الدماغ والتخلص من العادة السيئة اذهب إليه وأعنه بحذر على تبديل عاداته السيئة إلى عادات حسنة.

 

المجالسة

 

أخي الفاضل، نذهب معا إلى المرحلة السادسة، وهي بعنوان "المجالسة"، ونرفع هنا شعارًا "هم القوم لا يشقى جليسهم". حديث الرسول عليه الصلاة والسلام: "هم القوم لا يشقى جليسهم". المجالسة، مجالسة الصالحين. لا شك إذا أردت أن تتعرف إلى العادات الحسنة فاختلط بالناجحين حتى ترى العادات الحسنة التي يمارسونها فتأخذ شيئًا منها ويصيبك شيء منها. كن ضيفًا عند أحدهم، سافر مع أحدهم، كن لصيقًا بواحد منهم حتى تتأثر بعاداته الحسنة.

 

ختامًا، هذه ثلاث مراحل مهمة من مراحل تغيير العادات، لا بد أن يمر بها الإنسان، فيستطيع إعادة برمجة دماغه بالتكرار والإصرار، ثم يبتعد عن أهل العادات السيئة ليتخلص من العادات السيئة التي اكتسبها منهم، ويجالس الصالحين أصحاب العادات الحسنة ليكتسب عاداتهم الحسنة.

الرابط المختصر :