الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : وساوس وشكوك
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
8 - رقم الاستشارة : 5420
27/07/2026
أنا بنت عمري 28 سنة، أشتغل بوظيفة مستقرة ولله الحمد، وعايشة ببيئة اجتماعية زينة. بس عندي مشكلة وايد متعبتني ومخربة عليَّ راحة البال ولذة العبادة، وهي المقارنة المستمرة.
أكره هالصفة بنفسي، بس تطاردني غصب عني بيومي؛ يعني أول ما أفتح السوشيال ميديا، أو أحضر جمعة أهل، عقلي على طول يبدأ يقارن تلقائيًا: "فلانة تزوجت وجابت طفل وهي أصغر مني..." "فلانة أملح ومحبوبة أكثر بين الناس..." "صديقتي حققت نجاح بشغلها بسرعة وترقت، وأنا خطواتي بطيئة وتتعب..."
وبعد كل موقف مقارنة أحس بضيقة وثقل كبير بصدري، ويجيني بعدها شعور أليم بالذنب وتأنيب الضمير.
ومؤخرًا بدت تجيني أفكار ببالي مثل: "ليش الله ميسر لهم كل شيء وأنا أتعثر؟"
طبعًا أستعيذ بالله على طول، لأني عايشة بنعم كثيرة من صحة وأهل وأمان، بس المقارنة تعميني عنها وكأني مو شايفتها، وأخاف يكون هذا جحود أو عدم رضا يقلل من إيماني أو يزعل ربي علي.
فهل هالأفكار والمقارنات تعتبر جحود بنعمة الله؟
وشلون أوقف هالتفكير وأرجع أعيش براحة بال وأركز على حياتي؟
مرحبًا بك يا ابنتي، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا،
وعلى حرصك على سلامة قلبك واستقامة دينك، أسأل الله يصبَّ على قلبك السكينة
والطمأنينة، وأن يرزقك الرضا بما قسمه لك، وأن يبارك لك في عمرك وعملك وصحتك، وأن
يشرح صدرك ويزيل عنك هذا الهم والضيق، ويجعل حياتك ملأى بالخيرات والمسرات، وبعد...
فاعلمي يا ابنتي -قبل أي شيء- أن شعورك بالضيق والتأنيب
بعد مرور هذه الأفكار ببالك، وخوفك من أن تكوني جاحدة لنعم الله، هو دليل على
إيمانك الصادق وحياة قلبك؛ فالقلب الميت لا يتألم للذنوب ولا يكترث بالخواطر
الفاحشة، بينما القلب الحي المؤمن يرتجف خوفًا من ألا يرضى ربه عنه.
إنه في ظل طغيان وسائل التواصل الحديثة، وانفتاح الناس
على إظهار تفاصيل حياتهم ونشرها، أصبحت النفس البشرية عرضة لمداهمة المقارنات التي
تُعكر صفو الرضا والعبادة وتذهب بالخشوع وراحة البال.
هل هذه المقارنات تعد جحودًا بنعمة الله؟
لا بد -يا ابنتي- من التمييز الدقيق بين خواطر النفس
ووساوس الشيطان التي تهجم على الإنسان دون إرادته، ويصاحبها كراهية لها ومداومة
على الاستعاذة، وبين الاعتقاد الجازم والتسخط المستقر الذي يصحبه اعتراض باللسان
والجوارح على قدر الله، والعياذ بالله.
وأحسب أن ما يعتريك عند فتح وسائل التواصل أو في تجمعات
الأهل ليس جحودًا يخرجك من الرضا أو يضيع إيمانك؛ بل هو –بإذن الله- حديث نفس
ووساوس طارئة يجاهدها عقلك وقلبك. والدليل على أن الله -عز وجل- يسامح ويعفو عن
هذه الأفكار ما دام الإنسان يستعيذ منها ولا يسترسل معها لسانيًّا ولا عمليًّا، ما
رواه أبو هريرة رضي الله عنه عن النبي ﷺ أنه قال: «إن
الله تجاوز لي عن أمتي ما حدَّثت به أنفسها، ما لم تعمل أو تتكلم» [متفق عليه].
بل إن الصحابة الكرام رضوان الله عليهم جاؤوا إلى النبي ﷺ وشكوا إليه أفكارًا وخواطر تعظم في صدورهم ويكرهونها،
فقالوا: «إنا نجد في أنفسنا ما يعظم أحدنا أن يتكلم به»، فقال رسول الله ﷺ: «أوقد
وجدتموه؟» قالوا: نعم، قال: «ذاك صريح الإيمان» [رواه مسلم]. ومعنى «ذاك صريح
الإيمان» أن كراهيتك لهذه الأفكار ومحاربتك لها وخوفك منها يمثل صريح الإيمان.
متى تكون المقارنة خطرًا؟
تصبح المقارنة مذمومة وتصل إلى مرحلة كفران النعمة أو
التسخط –والعياذ بالله- إذا أدت إلى الأمور التالية:
1- الاعتقاد بأن الله ظلمك، وحاشاه سبحانه. أو أنه أعطى
النعمة التي تسحقينها لغيرك وحرمك منها.
2- التوقف عن شكر النعم التي لديك، كالصحة والوظيفة
والأهل، والتعامل معها دون اكتراث ولا امتنان.
3- تمني زوال النعمة عن الآخرين، وهو الحسد المذموم.
وبما أنك تستعيذين بالله فورًا، وتحمدين الله على نعمة
الصحة والأهل والأمان، فإن هذا يُعد مجاهدة لنفسك ودفعًا لوساوس الشيطان وليس
جحودًا، إلا أن الاسترسال في هذا التفكير ينهك الروح ويحرمك لذة العبادة، ولذا وجب
علاج المشكلة من جذورها، ومعرفة من أين يتسلل إليك هذا الشعور.
الصور الخادعة بوهم الكمال
ما ترينه على وسائل التواصل أو في الجمعات العائلية -يا
ابنتي- هو مجرد عرض زائف لحياة الآخرين؛ فالناس تنشر لحظات الفرح، والترقيات، وصور
الأطفال، والجمال المُعدَّل بالفلاتر، بينما يُخفون آلامهم، وديونهم، وصراعاتهم
النفسية، وأحزانهم. وعندما تقارنين حياتك المجهدة بتلك الصور الزائفة المقتطعة من
حياة الآخرين، تكون المقارنة غير عادلة بالطبع.
قصور رؤيتنا لتوزيع الأرزاق
قد يتخيل الإنسان أن الرزق منحصر في الزواج، أو المظهر،
أو المال، بينما الأرزاق في الحقيقة منظومة كاملة وموزعة، وليس هناك إنسان قد أوتي
كل شيء، أو حُرم كل شيء؛ إلا القليل النادر جدًّا، وذلك لحكمة منه سبحانه وتعالى.
فقد يُعطَى شخص نعمًا معينة حُرم منها غيره، ويُحرم من نعم نالها هذا الغير. قال
تعالى: ﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّك نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ
مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ
دَرَجَاتٍ﴾ [الزخرف: 32].
وأنت -يا ابنتي- أُعطيتِ وظيفة مستقرة، وصحة، وأهلًا،
وأمانًا، وهي نعم يتمناها الملايين حول العالم.
لقد صور القرآن الكريم هذا في قصة قارون، حين قال جماعة
من الناس عندما رأوا زينته: ﴿يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ
إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ﴾ [القصص: 79]، بينما كانت الحقيقة أن ما أوتيه كان
سببًا في هلاكه والخسف به وبداره.
فربما كان العطاء أحيانًا ابتلاء وعقوبة، وربما كان
المنع أحيانًا هو عين العطاء.
اقتراحات عملية لاستعادة راحة البال
1- النظر لمن هم دوننا: أوصانا النبي ﷺ بدواء ناجع لعلاج ازدراء النعم، فقال: «انظروا إلى من هو
أسفل منكم، ولا تنظروا إلى من هو فوقكم؛ فهو أجدر ألَّا تزدروا نعمة الله عليكم»
[رواه مسلم]. فكلما قارنتِ نفسك بمن هي أعلى منك في زينة أو منصب، اذكري فورًا من
هي في عمرك وتفتقد الوظيفة، أو تعاني مرضًا مزمنًا، أو تعيش في ظروف معيشية قاسية.
2- التبريك والدعاء: إذا رأيتِ ما يعجبك لدى
صديقة أو قريبة، فعوِّدي لسانك فورًا على قول: «اللهم بارك لها وزدها، وأسألك من
فضلك». فقد روي عن النبي ﷺ: «إذا رأى أحدكم من أخيه أو من نفسه أو من ماله ما يعجبه، فليدع له
بالبركة» [رواه ابن ماجة].
3- مفكرة الامتنان: خصصي
دفترًا صغيرًا، واكتبي فيه يوميًّا قبل نومك ثلاث نعم استشعرتِها في هذا اليوم،
مهما كانت بسيطة (طعام لذيذ أو شراب، إنجاز مهمة بسلاسة، احتضان من الأم، عافية في
الجسد... إلخ). فكتابة النعم تجعل العقل يركز على الوفرة بدلًا من النقص.
4- تجنبي بواعث المقارنة: الغي متابعة كل حساب يثير في نفسك تلك المشاعر السلبية، أو يستعرض الحياة المترفة
بصورة مستفزة. وحددي وقتًا لا يتجاوز نصف ساعة يوميًّا لاستخدام وسائل التواصل،
ولا تفتحيها فور الاستيقاظ من النوم ولا قبل النوم مباشرة.
وفي تجمعات الأهل، إذا بدأت الأحاديث تتجه هذا الاتجاه،
فغيِّري مجرى الحديث بذكاء إلى موضوع ثقافي أو اجتماعي لطيف، أو انشغلي عن هذا
التجمع بشيء آخر، أو حتى اعتذري بلطف وفارقي مكان هذا التجمع.
5- التركيز على مسارك: اعلمي -يا ابنتي- أن الحياة ليست سباقًا بين الناس في مضمار واحد؛ بل هي اختبارات
فردية ومسارات مخصصة، لكل إنسان منا اختباره ومساره، فركزي على مسارك الخاص بك،
وما عليك إنجازه، ولا تقيسي إنجازك بمقاييس غيرك.
وختامًا يا ابنتي، اعلمي أن العبودية لله لا تقتصر على
الصلاة والصيام فقط، بل إن عبودية الرضا والتسليم ومجاهدة النفس هي من أعلى مراتب
الإيمان. فكلما دعتك نفسك للمقارنة اذكري الله وادعي لمن قارنتِ نفسك بها، وستجدين
كيف ينقلب هذا الضيق إلى سكينة واطمئنان.
أسأل الله أن يشرح صدرك وييسر أمرك، وأن يرزقك قلبًا
شاكرًا، ولسانًا ذاكرًا، ونفسًا مطمئنة ترضى بقضائه وتؤمن بقدره. وصلِّ اللهم
وسلِّم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط ذات صلة: