الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : الدعوة النسائية
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
54 - رقم الاستشارة : 4125
15/02/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، أنا داعية أتعامل مع عدد كبير من النساء، وكثيرات منهن يأتين مثقلات بجراح نفسية عميقة: تجربة زواج فاشلة، عنف أسري، خذلان عاطفي، أو فقدٍ مؤلم ترك أثره في القلب.
ألاحظ أن بعضهن يقتربن من مجالس الذكر بحثًا عن السكينة، لكنهن ينفرن سريعًا حين يُواجهن بخطاب ديني مباشر، أو أوامر وتكاليف لا تراعي هشاشتهن الداخلية.
أشعر أحيانًا بحيرة حقيقية: كيف أقدّم الدعوة للمرأة الجريحة نفسيًا دون أن أزيد كسرها؟ وكيف أجعل الدين باب شفاء وقرب، لا عبئًا وضغطًا جديدًا؟
وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، مرحبًا بكِ، وجزاكِ الله خيرًا على هذا الوعي الدعوي الناضج؛ فالدعوة ليست مجرد نقل أحكام، بل فقهٌ للنفوس، ورعاية للقلوب المنهكة. ومن لم يُحسن قراءة الألم الإنساني، أخطأ طريق التأثير وإن صدقت نيته.
وأول ما ينبغي أن يستقر في وعي الداعية: أن الجرح النفسـي غير الملتئم قد يحجب القلب عن تلقّي الخطاب الشرعي، لا عنادًا ولا استخفافًا بالدين، بل عجزًا داخليًا عن الاحتمال. ولهذا كان من هدي النبي ﷺ أنه كان يحتوي قبل أن يُكلّف، ويُداوي قبل أن يُطالب.
ومن معالم المنهج الدعوي مع المرأة الجريحة نفسيًا:
أولًا: الاعتراف بالألم جزء من البلاغ
لا يُطلب من امرأة أن تصبر أو تحتسب، قبل أن يُسمَع وجعها ويُعترف بألمها، والإصغاء الصادق، والتعاطف الحقيقي، ليسا ضعفًا إيمانيًّا؛ بل بابًا للثقة والطمأنينة.
وقد كان النبي ﷺ يشارك الناس مشاعرهم، ويبكي لبكائهم، ويؤكد أن الحزن الإنساني لا يناقض الإيمان.
ثانيًا: تقديم الله بوصفه ملجأً لا مُحاسِبًا
في هذه المرحلة، تحتاج المرأة أن تتعرّف على الله القريب، الرحيم، الجابر للكسور، قبل الدخول في تفاصيل التكليف والانضباط.
فصورة الإله في ذهنها يجب أن تكون أولًا صورة الأمان والرحمة، لا صورة الضغط والخوف. حينها فقط يصبح الالتزام ثمرة طبيعية لا عبئًا ثقيلًا.
ثالثًا: تخفيف لغة اللوم والعتاب المتأخر
عبارات مثل: كان ينبغي، لو أنكِ فعلتِ، لا تعالج الماضي، بل تعمّق الإحساس بالذنب والعجز. والداعية الحكيمة لا تفتح جراح الندم؛ بل تُغلقها، وتحوّل النظر من جلد الذات إلى بناء المستقبل بخطوات واقعية.
رابعًا: جعل العبادة مساحة أمان لا ساحة اختبار
المرأة الجريحة قد تصلي وهي باكية، أو تقرأ القرآن بذهن مشتت، أو تتعثر في بعض الالتزامات.
وهنا يجب ترسيخ أن العبادة ليست امتحان كمال؛ بل طريق شفاء، وأن القرب من الله لا يُقاس بدرجة الأداء، بل بصدق التوجه.
خامسًا: التدرج في التوجيه وربط التكليف بالوسع
كل توجيه لا يراعي الطاقة النفسية قد يكون صحيحًا في ذاته، لكنه خاطئ في توقيته. فالتكليف الشـرعي مرتبط بالقدرة، والدعوة الراشدة تُقدّر المراحل، وتُراعي الفروق، ولا تستعجل الثمار قبل أوانها.
وختامًا: كوني -رعاكِ الله- صوت الطمأنينة لا صوت القسوة، ويـد الرحمة لا ميزان المحاسبة، وذكّري النساء أن الله لا يطلب منهن أن يأتينه كاملات؛ بل صادقات، ولو منكسِـرات. فمن دخلت على الله بجرحها، خرجت بجبره، ومن لجأت إليه بضعفها، عادت بقوة لا تعرفها من قبل.
ونسأل الله أن يجعل دعوتكِ باب شفاء، وأن يستخدمكِ في تضميد الأرواح قبل تقويم السلوك، وأن يكتب لكِ أجر كل قلب هدأ، وكل دمعة جفّت بسبب كلمة صادقة خرجت من قلبٍ رحيم.
روابط ذات صلة:
أُم مكلومة.. كيف يكون حوار الداعية بلسمًا لجراحها؟