الإستشارة - المستشار : د. عادل عبد الله هندي
- القسم : فئات المدعوين
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
11 - رقم الاستشارة : 5641
20/08/2026
السلام عليكم ورحمة الله وبركاته..
أنا أم لثلاثة أطفال في مراحل الطفولة المبكرة والمتوسطة، وأشعر بذعر وخوف شديد على فطرتهم وعقيدتهم في هذا الزمان. الأطفال اليوم منفتحون على عالم رقمي لا حدود له؛ من خلال الألعاب الإلكترونية التفاعلية، والمنصات الكرتونية العالمية التي تبث سمومًا عقدية وأفكارًا غريبة ومخالفة للفطرة السوية وللأخلاق الإسلامية بشكل مبطن وذكي جدًّا.
أجد صعوبة بالغة في منعهم كليًّا من هذه الوسائل لأنها أصبحت جزءًا من حياة أقرانهم، وفي الوقت ذاته فإن الأساليب الدعوية والتربوية التقليدية القائمة على التلقين الجاف وكثرة الأوامر والنواهي (افعل ولا تفعل) لم تعد تجدي نفعًا معهم، بل تسبب عنادًا ونفورًا.
كيف أستطيع كمربية أن أطور "منهجًا دعويًّا وتربويًّا منزليًّا معاصرًا" يناسب عقلية طفل العصر الرقمي، ويحميه من الانحراف العقدي والسلوكي، مع غرس محبة الله ورسوله في قلبه الصغير بطرق عملية، وإبداعية، ومحببة؟
وعليكم السلام
ورحمة الله وبركاته، وأهلاً بكِ أيتها الأم الواعية والمربية الفاضلة. نحيي فيكِ
هذا الحرص البالغ واليقظة التربوية الرائعة، فخوفكِ هذا هو دافع البناء، وحمايتكِ
لفطرة أبنائكِ هي أعظم جهاد وتخطيط دعوي تمارسينه داخل مملكتكِ الحصينة.
إن دعوة وتربية
فئة الأطفال في ظل السيولة الرقمية المعاصرة تتطلب أولاً الانتقال الجذري من
"منهجية التلقين والمنع الجاف" إلى "منهجية الغرس القيمي والبناء
الحواري الجاذب". فالطفل اليوم لم يعد متلقيًا سلبيًّا، بل هو عقل يتفاعل
ويسأل ويقارن، ولذلك فإن المنهج الدعوي الطفولي الناجح يجب أن يقوم أولاً على
"تأصيل مفهوم الرقابة الذاتية وحب الله" بدلاً من التركيز الحصري على
التخويف والترهيب؛ فالطفل بحاجة لأن يعرف من هو الله بصفات جماله، ورحمته،
وإحسانه، ونعمه المحيطة به، فإذا امتلأ قلب الطفل بحب الله تعالى تعظيمًا وشوقًا،
نشأت عنده رغبة ذاتية في التماس مرضاته والابتعاد عما يسخطه، وهو ما يمثل الحصانة
الداخلية الحقيقية عندما يغيب نظر الوالدين وتخلو به الشاشات.
أما الأمر الثاني
فهو "تفعيل التربية بالقصة والنموذج الحي التفاعلي"، وهو منهج أصيل في
الوحي وسيرة السلف الصالح. صممي مع أطفالكِ جلسات حوارية قصيرة وممتعة، واطرحي
فيها قصص الأنبياء وسير الصحابة والتابعين بأسلوب درامي ومشوق، ثم افتحي باب
النقاش معهم: "ماذا لو كنت مكان هذا البطل؟ كيف تتصرف؟". هذا الأسلوب
ينمي مهارات التفكير الناقد لديهم، ويجعلهم يفرزون المضامين الفاسدة في الألعاب
والكرتون تلقائيًّا ويقولون عنها: "هذا لا يرضي الله ولا يناسب ديننا".
والأمر الثالث هي
"توطين البدائل الترفيهية الفعالة"، فالمنع لا ينجح إلا إذا وفرنا
البديل؛ لذا يجب تشجيع الأنشطة الحركية، والرياضية، وحلقات التحفيظ التفاعلية،
والرحلات الاستكشافية في الطبيعة، ومشاركتهم اللعب البناء، فكلما اتسعت مساحة
الواقع الممتع والمشبع عاطفيًّا في حياة الطفل، تقلصت مساحة تعلقه بالفضاء
الافتراضي الرقمي الملوث، وحفظت فطرته وعقيدته من التشويه.
وختامًا أختي
السائلة الكريمة:
• حوِّلي جدران
منزلكِ وأنشطتكِ اليومية إلى لوحات بصرية تفاعلية تعزز القيم والأذكار البسيطة
بطرق فنية محببة للأطفال.
• كوني قدوة
صالحة لأبنائكِ في تعاملكِ مع شاشتكِ وهاتفكِ الخاص؛ فالأطفال يتعلمون بعيونهم
وسلوك والديهم أكثر مما يتعلمون بآذانهم.
• خصِّصي لكل طفل
من أطفالكِ وقتًا منفردًا يوميًّا للاستماع إليه، ومعرفة مخاوفه وتساؤلاته الفكرية
دون سخرية أو تعنيف.
• شاركيهم في
اختيار التطبيقات والألعاب النافعة والمفيدة، والعبوا معًا لتوجيه مسار اللعب نحو
قيم التعاون والإتقان.
فاللهم احفظ على
أطفالنا فطرتهم، وصن عقيدتهم وأخلاقهم من الفتن والشرور، واجعلهم قرة عين
لوالديهم، وأنبتهم نباتًا حسنًا. اللهم بارك في أختنا الفاضلة، وامنحها الصبر
والحكمة وقوة العطاء التربوي، واجعل بيتها محضنًا مباركًا يخرج للأمة بناة وقادة
وصالحين.
روابط ذات صلة:
التعليم الرقمي للأطفال والشباب.. كيفأُحقق أثرًا دعويًّا فعّالاً؟