الإستشارة - المستشار : أ. فتحي عبد الستار
- القسم : التوبة والإنابة
- التقييم :
- عدد المشاهدات :
80 - رقم الاستشارة : 6073
10/10/2026
أنا شاب بدرس في الجامعة، ومشكلتي بتتلخص في التسويف الزايد والتأجيل المستمر للتوبة والرجوع عن المعاصي، والالتزام بالطاعات والفرائض.
أنا غرقان في تضييع الساعات في التقليب العشوائي في الموبايل والنظر المحرم، وكل ما أحس بالندم وأقرر أتوب، نفسي تأجل وتزن عليا وتقولي "ابدأ من بكرة"، أو "مع بداية الأسبوع الجاي"، أو "بعد الامتحانات"، لحد ما الأيام بتعدي من غير أي تغيير.
والتأجيل ده أثّر على صلاتي، فبقيت بأخرها وبجمع الصلوات مع بعض، وللأسف ساعات بتفوتني خالص.
حاسس إن العمر بيجري بسرعة، وخايف الموت يجيني وأنا على الحال ده من التردد والمماطلة مع ربنا.
فإزاي أكسر دايرة التسويف دي وأتحول للعمل والاستمرار؟ وإيه الخطوات العملية اللي تساعدني أثبت على التوبة وما أرجعش تاني؟
أسف على الإطالة، وجزاكم الله خيرًا.
مرحبًا
بك يا بني، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يربط على قلبك، وأن
يمنَّ عليك بتوبة نصوح تطهر بها روحك، وأن يرزقك القوة والعزيمة لكسر أوهام
التسويف، وأن يثبتك على طريق الطاعة، ويجعلك من الصالحين الموفقين في دراستك
وحياتك كلها، وبعد...
فمرحلة
الشباب والجامعة هي مرحلة تَدفُّق الطاقة وتَشكُّل المستقبل، وفي المقابل هي
الميدان الأول لمعارك النفس والشيطان. وما تعاني منه هو نمط سلوكي ونفسي يتغذى على
سلاح شيطاني هو «التسويف»، متضافرًا مع المغريات الرقمية الحديثة. ولكي نخرج من
هذه الدائرة المغلقة، يحتاج الأمر منا أولًا إلى تفكيك المشكلة وفهمها حتى يتسنى
لنا العلاج والخروج من هذه الدائرة المزعجة.
«التسويف»
سلاح إبليس الأخطر
التسويف
ليس تأجيلًا للعمل فحسب؛ بل هو تأجيل للحياة وللنجاة. فالنفس الأمارة بالسوء،
بالتعاون مع الشيطان، لا تقول لك: «لا تتب»، أو: «لا تصلي»؛ بل تقطر لك السُّم في
دسم الخداع، قائلة: «تُب، ولكن بعد الزواج»، «صلِّ، ولكن رمضان المقبل». وقد صوَّر
القرآن الكريم هذا التزيين والمماطلة في قوله تعالى: ﴿يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ
وَمَا يعدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا﴾ [سورة النساء: 120].
وقد
حذَّر السلف الصالح من هذا الفخ تحذيرًا شديدًا؛ إذ قال الحسن البصري رحمه الله:
«إياك والتسويف، فإنك بيومك ولست بغدك، فإن يكن غد لك فكن في غد كما كنت في اليوم،
وإن لم يكن لك غد لم تندم على ما فرطت في اليوم».
الشاشات
استنزاف للإرادة وبلادة للقلب
التنقل
العشوائي في الهاتف يغمر الدماغ بجرعات متتالية من الدوبامين السريع، مما يضعف
قدرة العقل على التركيز والمثابرة في المهام الجادة كالدراسة أو الصلاة. وعندما
يقترن هذا النظر بالمحرمات تصاب الروح بحالة من الجفاف؛ لأن المعصية تترك نكتة
سوداء في القلب، فتستثقل النفس الصلاة وتستطيل أوقاتها. وقد قال الله تعالى آمرًا
بالوقاية: ﴿قُل لِّلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ وَيَحْفَظُوا
فُرُوجَهُمْ ۚ ذَٰلِك أَزْكَىٰ لَهُمْ ۗ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾
[سورة النور: 30].
التهاون
في الصلاة ناتج عن اتباع الشهوات
تأخير
الصلاة حتى يخرج وقتها، أو جمعها بلا عذر، هو الثمرة الطبيعية للتسويف وإتباع
الشهوات. وقد حذرنا الحق عز وجل من هذا المنزلق بقوله: ﴿فَخَلَفَ مِن بَعْدِهِمْ
خَلْفٌ أَضَاعُوا الصَّلَاةَ وَاتَّبَعُوا الشَّهَوَاتِ فَسَوْفَ يَلْقَوْنَ
غَيًّا﴾ [سورة مريم: 59]. وقد سُئل النبي ﷺ: أَيُّ الْعَمَلِ أَحَبُّ إِلَى اللهِ؟
فَقَالَ: «الصَّلَاةُ عَلَى وَقْتِهَا» [متفق عليه]. فالصلاة هي الحصن المنيع؛
فإذا انهار الحصن، استبيحت بقية ثغور النفس.
دروس
في خطورة التسويف
في
غزوة تبوك، لم يكن كعب بن مالك رضي الله عنه منافقًا ولا رافضًا للجهاد؛ بل كان
مؤمنًا صادقًا، لكنه وقع في فخ التسويف. كان يقول في نفسه كل يوم: «أنا قادر على
الخروج واللحوق بالجيش إذا أردت، فالجهاز متوفر والقوة موجودة»، وظل يرجئ الخروج
يومًا بعد يوم حتى ابتعد الجيش وفاتت الغزوة. ونتج عن ذلك ابتلاء شديد وقطيعة دامت
خمسين ليلة حتى تداركه الله بتوبته. إنها صورة حية لكيف أن كلمة «غدًا سأبدأ» قد
تقعد الإنسان عن أركان حياته وآخرته.
وعندما
أراد الرجل الذي قتل مائة نفس أن يتوب، لم يقل له العالم: «انتظر حتى بداية الشهر
المقبل»، أو «تُب بعد أن تنهي أعمالك»؛ بل قال له فورًا: «اخرج من أرضك إلى أرض
كذا وكذا، فإن بها أناسًا يعبدون الله فاعبد الله معهم» [رواه مسلم]. فالمبادرة
الفورية وتغيير البيئة المساعدة على الذنب هما المفتاح الحقيقي للتوبة.
خطوات
لكسر دائرة التسويف والثبات
1-
تحطيم صنم البداية المثالية: اقطع فكرة: «سأؤجل التوبة حتى أفرغ من
مشاغلي وأبدأ بداية قوية»، فالتوبة والصلاة لا تحتاجان جدولًا زمنيًّا؛ بل تحتاجان
الحسم بالمسارعة والبداية الفورية من الآن. قال الله تعالى: ﴿وَسَارِعُوا إِلَىٰ
مَغْفِرَةٍ مِّن رَّبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ
أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [سورة آل عمران: 133].
2-
التخلص من المشتتات: وذلك بتحديد أماكن وأوقات للهاتف، فلا
تدخل هاتفك إلى غرفة النوم عند النوم، ولا تضعه أمامك أثناء الدراسة. مع تثبيت
تطبيق لحظر المواقع والتطبيقات الإباحية أو المشتتة، وإلغاء متابعة كل حساب
على وسائل التواصل يدعوك أو يعرض عليك ما يخدش حياءك، أو يضبع وقتك ويلهيك عن
الصلاة.
3-
اجعل الصلاة ميزان يومك: فبدلًا من توزيع الصلاة حسب جدولك، نظِّم
جدولك وجامعتك ودراستك حسب مواقيت الصلاة. وبمجرد سماع الآذان، قم فورًا وتوضأ،
ولا تنتظر حتى تنتهي من مشاهدة مقطع فيديو، فالحركة الجسدية السريعة تقطع رسائل
الكسل في الدماغ.
4-
أتبع السيئة بالحسنة: إذا تعثرتَ وزلت قدمك في نظر إلى محرم،
فلا تستسلم لإحباط الشيطان الذي يقول لك: «لقد أفسدت كل شيء»؛ بل قم فورًا وتوضأ
وصلِّ ركعتين بنية التوبة، وتصدق بمبلغ بسيط أو اقرأ جزءًا من القرآن. كما قال
تعالى: ﴿إِنَّ الْحَسَنَاتِ يُذْهِبْنَ السَّيِّئَاتِ﴾ [سورة هود: 114]، وكما قال
النبي ﷺ: «أتبِع السيئة الحسنة تَمحُها» [رواه الترمذي].
5-
قطع الاسترسال: اصرف نظرك فورًا عن الحرام إن رأيته فجأة، ولا تسترسل،
فإنك إن فعلت ذلك سَلِمَ القلب، وإن تابعت النظر فقد سلَّمتَ قلبك. وقد قال النبي
ﷺ لجرير بن عبد الله رضي الله عنه لما سأله عن نظر الفجاءة: «اصْرِفْ بَصَرَكَ»
[رواه مسلم].
6-
البحث عن صحبة صالحة: ابحث عن زملاء مشهود لهم بالخلق والمحافظة
على الصلاة، فالقرب منهم يرفع همتك ويجعلك تستحي من التقصير. يقول الله عز وجل:
﴿واصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ والْعَشِيِّ
يُرِيدُونَ وجْهَهُ ولا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الحَيَاةِ
الدُّنْيَا ولا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا واتَّبَعَ هَوَاهُ
وكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾ [سورة الكهف: 28]. وقال ﷺ: «الرَّجُلُ عَلَى دِينِ
خَليلِه؛ فَلْيَنْظُرْ أَحَدُكُمْ مَنْ يُخالِلْ» [رواه أبو داود].
7-
المحافظة على الأذكار: بأنواعها، مثل أذكار الصباح والمساء،
وأذكار الأحوال، والذكر المطلق، مع الاستغفار والدعاء. فالأذكار حصن نفسي وروحي
يمنحك قوة الإرادة أمام المغريات.
وختامًا
يا بني، إن مجرد شعورك بالخوف من الموت وأنت على هذه الحال هو نعمة كبرى من الله؛
فاستثمره للبدء فورًا، ولا تدع اليأس يتسلل إليك، ولا تسمح للشيطان بأن يصوِّر لك
أنك عاجز، فأنت شاب في مقتبل العمر، ولديك القدرة والعزيمة، والله عز وجل يقول:
﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا ۚ وَإِنَّ اللَّهَ
لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [سورة العنكبوت: 69].
ابدأ
من هذه اللحظة، اترك الهاتف فورًا، وقم فتوضأ، وصلِّ ركعتين لله، وادعه بقلب خاشع
أن يعينك ويثبتك.
أسأل
الله بأسمائه الحسنى وصفاته العلا أن يطهر قلبك، وأن يحصن فرجك، وأن يعيذك من
همزات الشياطين، وأن يشرح صدرك للهدى، وأن يحبب إليك الإيمان ويزينه في قلبه،
ويكره إليك الكفر والفسوق والعصيان، ويجعلك من الراشدين، وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك
على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.
روابط
ذات صلة:
التسويف آفة الشباب.. كيف نساعدهم على تجنبها؟!!
كيف عالج الفكر الإسلامي آفة التسويف؟
لماذا تنشأ عقلية التسويف وكيف نتغلب عليها؟
الآن وليس غدًا.. كيف تكسر حلقة التسويف؟