ضوابط السياحة المباحة في ميزان الشريعة الإسلامية

Consultation Image

الإستشارة 03/10/2026

ما ضوابط عقد "الإجارة على الخدمات السياحية"؟ وما حكم إقامة السائح في أماكن تُقدَّم فيها المحرمات دون مشاركته فيها، هل يعتبر ذلك من باب "الإعانة على الإثم والعدوان"؟

الإجابة 03/10/2026

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، السياحة بمفهومها الواسع في الإسلام ليست ترفهًا محضًا، بل هي رحلة في الأرض للاعتبار، والترويح المباح، واكتشاف عجائب خلق الله، بشرط أن تنضبط بضوابط الشرع الحنيف، وألا تكون مطية للوقوع في المحرمات أو الإعانة عليها.

 

اختصارًا:

 

عقد الإجارة على الخدمات السياحية جائز في أصله إذا كانت المنافع المعقود عليها مباحة وخالية من المحرمات. وأما إقامة السائح في الفنادق أو المنتجعات التي تقدم المحرمات كالخمور أو دور العرض المحرمة دون أن يشارك فيها أو يعين عليها، فلا يعتبر إعانة محرمة على الإثم والعدوان، لأن الإعانة المحرمة هي ما قصد بها المعين الإعانة على المعصية أو كانت سببًا مباشرًا لا تقوم المعصية إلا به، بخلاف من نزل لمجرد السكن والانتفاع بالمباح مع إنكار القلب. ويجب على السائح المسلم الالتزام بالضوابط الشرعية واجتناب الأماكن التي تختلط فيها المحرمات بصفة مباشرة، والبحث عن البدائل السياحية النظيفة.

 

وتفصيلاً:

 

الضوابط الشرعية الواجب على المسلم مراعاتها عند القيام بالسياحة في الأرض:

 

من أهم ما ينبغي على المسلم مراعاته:

 

حفظ الفرائض والواجبات: فيجب ألا تلهيه الرحلة السياحية عن أداء الصلوات في أوقاتها، أو أداء سائر العبادات والفرائض، لقوله تعالى: {رِجَالٌ لَا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَإِقَامِ الصَّلَاةِ وَإِيتَاءِ الزَّكَاةِ} [النور: 37].

 

الالتزام بالآداب والأخلاق الإسلامية: الحياء وغض البصر وحفظ اللسان، والابتعاد عن التبرج والسفور واختلاط الريب، واجتناب المجالس التي فيها استهزاء بآيات الله أو خوض في الباطل.

 

اجتناب الأماكن المحرمة لذاتها: كالملاهي الليلية، وأماكن القمار، والحانات التي تقدم الخمور علنًا، لما في ذلك من تعريض النفس لمواطن الشبهات والمعاصي.

 

تحري الحلال في النفقة: أن يكون مال السفر ومصروفاته من كسب طيب طاهر، فقد أخرج الإمام مسلم في صحيحه أن النبي ﷺ قال: "إن الله تعالى طيب لا يقبل إلا طيبًا".

 

الحلول الشرعية المناسبة للمسلم الباحث عن السياحة الحلال:

 

اختيار الوجهات الصديقة للعائلات: الانتقال إلى المدن والبلدان التي تحترم القيم الأخلاقية، وتتوفر فيها المرافق الخدمية المناسبة والبعيدة عن مظاهر الفساد الصريح، وفي الحلال كفاية عن الحرام.

 

التعاقد المباشر مع شركات سياحية إسلامية: اختيار الشركات والوكالات التي تلتزم ببرامج خالية من المنكرات والمحرمات، وتوفر فنادق تمنع تقديم الخمور أو المعاملات المخلة.

 

الاستئجار الفردي المستقل: اللجوء إلى استئجار الشقق الفندقية الخاصة أو الفلل المستقلة بعيدًا عن التجمع الفندقي العام الذي قد تقع فيه المنكرات، ضمانًا للخصوصية والبعد عن الاختلاط المريب.

 

استصحاب النية الصالحة: استحضار نية التفكر في خلق الله، وصلة الرحم، وإجمام النفس بما يرضي الله عز وجل لتكون السياحة عبادة يؤجر عليها.

 

أما عن حكم الإقامة في أماكن تقدم فيها المحرمات دون مشاركة:

 

فهذه المسألة ترتبط بباب "الإعانة على الإثم والعدوان". وقد نص فقهاء الشريعة على أن الإعانة المحرمة هي ما كانت إعانة مقصودة ومباشرة على المعصية. أما الانتفاع بمكان مباح كالمبيت أو السكن في فندق وجد فيه من يفعل المعصية بمعزل عن النزيل المسلم، فلا يعتبر السكن إعانة محرمة إذا لم يقصد النزيل إعانة صاحب الفندق على معصيته، ولم تكن الإقامة شرطًا في إقامة المحرم؛ لأن الجهة منفكة، فالسكن في الغرفة منفعة مباحة، وتقديم الخمور في مكان آخر من الفندق معصية تخص فاعلها، وقد تقرر في قواعد الفقه أن "التحريم إذا تعلق بالعين حرم، وإذا تعلق بالغير لم يحرم إلا بشرط القصد والمباشرة". وقد نص الإمام العز بن عبد السلام في قواعد الأحكام على أن ارتكاب المفسدة الخفيفة لدفع المفسدة الأعظم، أو الانتفاع بالمباح رغم وجود ملابسات محرمة لا تخص المسلم، جائز بشرط السلامة من الوقوع في الإثم.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في ضوابط السياحة المباحة:

 

"الأصل في الأشياء الإباحة"، وهي حاكمة على تسيير العقود والإجارات والمباحات السياحية ما لم يرد نص بتحريمها.

 

"الضرورات تبيح المحظورات"، والحاجات تنزل منزلة الضرورات، وتُطبق في سياق تيسير ارتياد المرافق العامة عند الحاجة المعتبرة بشرط التقيد بالقدر الضروري والتحرز من المحرم.

لا يُنسب لساكت قول، وتُطبق على من سكن مكانًا فيه منكر لا يملكه ولا يقدر على إزالته، فليس لمجرد سكونه آثمٌ ما دام منكرًا بقلبه ولم يشارك فيه.

 

"انفكاك الجهة"، وهي القاعدة الأساسية التي تفرق بين الانتفاع بالخدمة المباحة كالسكن وبين المعصية الواقعة من الغير في نفس المكان كتقديم المحرمات، فتنفك الجهة المحرمة عن الجهة المباحة. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

السياحة في مناطق الاحتلال أداة تطبيع أم وسيلة مقاومة؟

التعليقات

الرابط المختصر :