تعليقات التواصل الاجتماعي.. خطورتها ومآلاتها في ميزان الشرع

Consultation Image

الإستشارة 20/08/2026

تُنشر أحيانًا في صفحات الأخبار على مواقع التواصل الاجتماعي أخبار عن وقوع جرائم قتل، ومن ذلك خبر عن رجل أطلق النار على أم زوجته وقتلها. وبعد نشر الخبر، يدخل بعض الأشخاص إلى التعليقات، فيتحدثون عن الجريمة بطريقة ساخرة أو فكاهية، ويكتب بعضهم للقاتل عبارات مثل: «أحسنت»، أو «تستاهل»، أو «لو كنت مكانك لفعلتها»، أو «لو كانت حماتي مثلها لفعلت الأمر نفسه»، وقد يصل الأمر إلى التهليل لما فعله القاتل والتشجيع عليه. فما الحكم الشرعي فيمن يكتب مثل هذه التعليقات على جرائم القتل؟ وهل يختلف الحكم إذا كان الشخص يقولها على سبيل المزاح والسخرية، أو كان يقصد فعلًا تأييد ما حدث؟ وما حكم من يتمنى أن يفعل مثل فعل القاتل لو كان في مكانه؟ نرجو بيان الحكم الشرعي في هذه المسألة، وما يترتب على مثل هذه الأقوال من الناحية الشرعية. جزاكم الله خيرًا.

الإجابة 20/08/2026

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده، وبعد:

 

فأهلاً وسهلاً ومرحبًا بك أخي الكريم، تتناول هذه المسألة نازلة سلوكية وأخلاقية معاصرة تقع في وسائل التواصل الاجتماعي، ترتبط بجريمة من أعظم الجرائم وأشد المحرمات في الشريعة الإسلامية وهي جريمة القتل العمد وإراقة الدم المعصوم. وإن التفاعل مع هذه الجرائم بالتعليق أو السخرية أو التشجيع يمسّ أبوابًا خطيرة في الفقه الإسلامي؛ منها باب الرضا بالمعصية، والإعانة على الإثم والعدوان، والجهر بالمنكر، وإشاعة الفاحشة، والاستهانة بما عظمه الله تعالى من حرمة الروح الإنسانية.

 

اختصارًا: كتابة هذه التعليقات محرم شرعًا تحريمًا شديدًا، وهو من كبائر الذنوب والمعاصي؛ لأن فيه رضا بالجريمة وإعانة على الإثم وتشجيعًا عليه.

 

ولا يؤثر في أصل التحريم إن كان جادَّا أو ساخرًا على سبيل المزاح، بل إن المزاح في هذه الحالة يعظم جرمه لما فيه من القسوة والاستخفاف بدم المقتول وحرمته، فالاستهانة بالدماء والقتل محرمة بجميع صورها.

 

ومن يتمنى فعل القاتل يأثم نيةً واعتقادًا، ويكون شريكًا للقاتل في وزر النية؛ لأن من تمنى المعصية ورضي بها حُشِر مع أهلها في الإثم.

 

ومن الآثار المترتبة شرعًا تحمل الإثم والوزر في صحيفة الأعمال، واستحقاق العقوبة التعزيرية التي يفرضها ولي الأمر مثل القاضي أو السلطة المختصة للزجر عن نشر الفساد وتجرؤ السفهاء.


ولا يمكن للأفراد الذين لم يطّلعوا على تفاصيل الحادثة ولا أدلتها أن يقرروا من له الحق ومن عليه، وإقحام أنفسهم فيما لا علم لهم به خطر عظيم لو كانوا يعلمون.

 

وتفصيلاً:

 

فلقد تواترت النصوص على حرمة وخطورة الكلمة، والتي يستهين بها كثير من خلق الله هذه الأيام، ويحسب أنه يكتب كلمته ويمضي، لكن ربما تبلغ كلمته من نفس إنسان أن يقدم على فعل ما كان ليقدم عليه لولا هذه الكلمة.

 

ففي الحديث عن بلال بن الحارث المزني -رضي الله عنه- أن رسول الله قال: «إِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ رِضْوَانِ اللَّهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ لَهُ بِهَا رِضْوَانَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَكَلَّمُ بِالْكَلِمَةِ مِنْ سَخَطِ اللَّهِ مَا كَانَ يَظُنُّ أَنْ تَبْلُغَ مَا بَلَغَتْ، يَكْتُبُ اللَّهُ عَلَيْهِ بِهَا سَخَطَهُ إِلَى يَوْمِ يَلْقَاهُ».

 

ومن حديث أبي هريرة -رضي الله عنه- عن النبي قال: «مَنْ أَعَانَ عَلَى قَتْلِ مُؤْمِنٍ بِشَطْرِ كَلِمَةٍ، لَقِيَ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ مَكْتُوبٌ بَيْنَ عَيْنَيْهِ: آيِسٌ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ».

 

أولاً: حكم الرضا بالقتل والإشادة به:

 

اتفق علماء الأمة على أن الرضا بالمعصية معصية، وأن إقرار القتل أو الثناء على القاتل يجعل الإنسان شريكًا في الإثم وإن لم يباشر القتل بيده.

 

روى أبو داود في سننه عن العرس بن عميرة الكندي رضي الله عنه عن النبي أنه قال: «إِذَا عُمِلَتِ الخَطِيئَةُ فِي الأَرْضِ، كَانَ مَنْ شَهِدَهَا فَكَرِهَهَا كَمَنْ غَابَ عَنْهَا، وَمَنْ غَابَ عَنْهَا فَرَضِيَهَا كَانَ كَمَنْ شَهِدَهَا».

 

وأورد الإمام ابن تيمية في مجموع الفتاوى أن الراضي بالظلم والقتل والفساد يكون شريكًا لفاعله في الإثم والذنب بحسب رضاه وإقراره؛ لأن أعمال القلوب من الرضا والكراهية تترتب عليها الأحكام الشرعية في المؤاخذة.

 

ونقل الإمام النووي في الأذكار أن الثناء على الظالم أو الفاسق أو القاتل أو إظهار الفرح بفعله محرم مقطوع به، ويستوجب مقت الله تعالى.

 

ثانيًا: التفريق بين المزاح والجد والتمني:

 

التمني "لو كنت مكانك لفعلتها": يأخذ حكم الفاعل في الإثم القلبي، لثبوت الحديث الصحيح الذي رواه الترمذي عن أبي كبشة الأنماري رضي الله عنه عن النبي في الرجل الذي يرى أهل المعصية والتعدي ويقول: «لَوْ أَنَّ لِي مَالاً لَعَمِلْتُ بِعَمَلِ فُلاَنٍ»، قال : «فَهُوَ بِنِيَّتِهِ فَوِزْرُهُمَا سَوَاءٌ».

 

ونقل الشوكاني في نيل الأوطار أن تمني المعصية مع تقرر الرغبة فيها يجعل صاحب النية مساوياً لفاعل المعصية في استحقاق الوزر والذنب.

 

المزاح والسخرية: نقل ابن حجر الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر أن الاستهانة بعظائم الذنوب وجعلها مادة للضحك أو المزاح يغلّظ الإثم؛ لأن المزاح بدم المعصوم يتضمن استخفافًا بأحكام الشريعة وقسوة في القلب، ولا يُعذر الإنسان بدعوى المزاح في أمور الكفر والدماء والكبائر.

 

القواعد الفقهية الحاكمة في خطورة الكلمة:

 

«الرضا بالمعصية معصية»: استحسان القتل أو التهنئة به تجعل المعلق شريكًا في الإثم والمعصية وإن لم يحمل السلاح.

 

«الوسائل لها أحكام المقاصد»: الكلام والتعليق والكتابة وسائل تُسهم في إشاعة الجريمة وتطبيعيها بين الناس، فتأخذ حكم المحرم والمقصد الخبيث.

 

«الدرء أولى من الجلب / درء المفاسد مقدم على جلب المصالح»: كف الألسنة والأقلام عن الخوض في الدماء واجب لدرء مفسدة تجرؤ المجتمع على إراقة الدماء والتساهل فيها.

 

«لا ضرر ولا ضرار»: في نشر هذه التعليقات إضرار نفسي بأهل المقتول وإضرار مجتمعي بتشجيع القتلة، وكل إضرار فهو محرم ومرفوع شرعًا. والله تعالى أعلى وأعلم.

 

روابط ذات صلة:

خطورة الكلمة.. حصائد الألسنة تكب الناس في النار

 

التعليقات

الرابط المختصر :