رغم الضغوط والوحدة.. كيف أتزوج؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فاطمة عبد الرءوف
  • القسم : استشارات أخرى
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 28
  • رقم الاستشارة : 4255
03/03/2026

أخاف من اتخاذ قرار الزواج بسبب تجارب الماضي، أنا امرأة سورية عمري 30 سنة، مررت بطفولة وظروف عائلية وحياتية صعبة (مرض ووفاة والدتي، خيانة والدي، الحرب، مسؤوليات مبكرة، ضغوط مالية ودراسية)، ورغم ذلك استطعت النجاح مهنيًا.

وأنا الآن طبيبة ناجحة، لكنني منذ فترة أعاني من اكتئاب وأتناول علاجًا، أعيش منذ سنوات بمفردي في دولة بعيدة عن عائلتي، وهذا زاد شعوري بالوحدة وصعوبة التعرف إلى أشخاص جدد أو بناء علاقات اجتماعية.

أرغب في الزواج وتكوين عائلة والشعور بالانتماء، لكن لدي خوف شديد من الارتباط وعدم الثقة، وكذلك خوف من اختيار الشخص الخطأ، خصوصًا بسبب تجارب الماضي، ولا أعرف أين يمكن أن أجد شريك حياة مناسبًا، كما أن ضغوط العمل أثّرت في طاقتي وشغفي.

لماذا أشعر بعدم القدرة على اتخاذ خطوة الارتباط رغم رغبتي به؟ وكيف يمكنني تجاوز الخوف وبناء ثقة تسمح لي بعلاقة صحية؟

الإجابة 03/03/2026

ابنتي الغالية، أهلاً وسهلاً ومرحبًا بك في موقعك بوابة الاستشارات الإلكترونية.

 

لقد نجوت يا –عزيزتي- من كثير من الصدمات والعوائق والضغوط، وها أنت الآن طبيبة ناجحة قادرة على الاستبصار بكل ما مررت به ولديك القدرة على البحث عن حل، والأهم لديك فطرة سوية لم يصبها الغبش رغم كل الصدمات، وهذه الفطرة هي ما تحثك على الزواج والارتباط.

 

طبقات الخوف

 

إذا كانت الفطرة تدفعك للتفكير في الزواج فإن هناك طبقات من الخوف تحول بينك وبينه.. لقد فقدت والدتك وفقدت معها مشاعر الأمان، وجاءت الحرب وأفقدتك الباقي من مشاعر الأمان، وبذلت جهودًا كبيرة حتى اعتمدت على نفسك بصورة شبه مطلقة، والزواج يعني في جزء منه أن هناك طرفًا آخر ستعتمدين عليه، فماذا لو خذلك؟ ماذا لو غاب عنك كما غابت الأم؟ ماذا لو خانك كما فعل الأب؟ هنا يلعب الخوف دور الحامي الذي يحذرك ويحيطك بسياج يحول بينك وبين فكرة الزواج.

 

ابنتي الكريمة، عقلك الوعي متآلف مع فطرتك ويرغب في الاستقرار وتكوين أسرة، لكن عقلك اللاواعي الذي تكّون في ظل الفقد والخيانة والحرب والضغوط يريد أن يحميك، فإذا كان الارتباط والزواج غير مضمون تمامًا وقد يسبب لك الألم ويعيدك لمشاعر الفقد والخيانة فإنه مرفوض من عقلك الباطن.. فستجدين أنك كلما اقتربت من فكرة الزواج وأصبحت مستساغة لك يقوم عقلك الباطن بالانسحاب بك بعيدًا، ولو أنك أجبرت نفسك الآن على الخطبة من شاب مناسب فستجدين أن عقلك الباطن يضخم لك عيوبه ويزيد من حساسيتك تجاه أي موقف قد يشتبه فيه بل ربما يخترع لك العيوب اختراعًا، فإذا لم ينجح أن يمنعك من الفكرة من الأساس فسيسعى للهروب منها بعد ذلك.

 

وهناك نمط شائع في العلاقات يطلق عليه نمط التعلق القلق التجنبي، وهذا النمط يعاني من الخوف والفقد ويريد رسائل طمأنة مستمرة وإلا فهو يتجنب العلاقات حتى لا يجني الألم.. أنت لا تخافين من الزواج بل أنت تخافين من الألم الذي عانيت منه لفترات طويلة في حياتك.

 

ابنتي، إذا أضفنا تشخيصك بالاكتئاب بالإضافة لذلك كله اتضحت لك الرؤية وفهمت أسباب القلق والخوف الذي تشعرين به.

 

طريق الزواج

 

ابنتي الغالية، طريقك للزواج يبدأ بتعافيك الحقيقي من صدمات الماضي المؤلم الذي عشته؛ لذلك فلا يكفي أن تتناولي العلاج الدوائي الخاص بالاكتئاب فأنت بحاجة أيضًا إلى عدة جلسات مع متخصص نفسي في علاج الصدمات حتى تتصالحي مع نفسك؛ لأن بداخلك طفلاً جريحًا متألمًا تم إجباره أن يتقمص دور الناضج مبكرًا حتى يعتمد على نفسه في مواجهة العالم، هذا الطفل الداخلي لا يزال موجودًا ومتألمًا وبحاجة لتهدئته وطمأنته.. أنت بحاجة للعفو عما قام به والدك.. بحاجة لبكاء أمك وإخراج كل مشاعر الحزن التي دفنتها في أعماقك، وهذا ما ستساعدك فيه هذه الجلسات.

 

القرب من الله عز وجل والسجود بين يديه والشكوى إليه والدعاء له أن يشفي قلبك ويهدئ روعك ويرزقك الزوج الصالح الذي تقر عينك به يشفي قلبك من جروحه ويفتح لك بوابات الرزق والفرح والسعادة.

 

ابنتي الكريمة، أنت بحاجة لإعادة جدولة حياتك.. بحاجة للتخفف من ضغوط العمل.. الإنسان المضغوط يفقد شغفه بالحياة وينظر لها بعيون باهتة.

 

سيري بخطوات صغيرة جدًّا على طريق الاندماج مع العالم من حولك لا بهدف البحث عن زوج ولكن بهدف أن تعيشي تجربة اجتماعية حقيقية دافئة أنت بحاجة لها.. لكن اجعلي خطواتك قصيرة ولا تتخلي عن حذرك إلا بعد فترة كافية.. شاركي مثلاً في حلقة في المسجد.. احضري ندوة.. شاركي في نشاط تطوعي.. انضمي لجمعية.. اذهبي في رحلة، هذه مجرد نماذج اختاري منها أنشطة لا تزيد عن ثلاثة أو فكري أنت أين يتجه شغفك.. حتى لو قمت بنشاط واحد فستجدين فيه خيرًا كثيرًا.

 

الهدف من هذه الأنشطة التعرف على بشر جدد.. تكوين علاقات اجتماعية.. علاقات فيها شيء من القرب والدفء تقلل من مخاوفك التي تجعلك تمارسين سلوكًا تجنبيًّا، وإن لم تخبري نفسك بذلك، حتى لو تعللت بضغط العمل الذي هو في بعض وجوهه حيلة نفسية دفاعية اسمها الإعلاء والتسامي عن طريق الإنجاز لكنه في الحقيقة حيلة لتجنب إقامة علاقات اجتماعية عميقة.

 

هذه -يا ابنتي- هي الخطوات الصحيحة على طريق التعافي، والتعافي سيجعلك مؤهلة تمامًا لخوض تجربة الزواج دون مشاعر قلق أو خوف.

 

وتذكري لا تكبتي مخاوفك التي تشعرين بها الآن.. لا تحاولي إجبار نفسك على الزواج.. لا تبحثي بعد ذلك عن الزوج المثالي، بل ابحثي عن الزوج المريح الصادق الذي يمنحك الأمان.

 

عندما تشعرين أن:

 

مخاوفك تتراجع.

 

السيناريوهات الكارثية تتراجع.

 

مزاجك يتحسن.

 

تستطيعي التعبير عن احتياجاتك دون أن تشعري بالضعف.

 

لا تنسحبي من العلاقات الاجتماعية بسهولة.

 

عندما تشعرين بهذه الأشياء فاعلمي وقتها أنك على بعد خطوتين من الزواج برجل مناسب تتعلقين به بصورة آمنة.. أسعد الله قلبك يا ابنتي، ويسر لك كل خطواتك، ولا تترددي في الكتابة لنا مرة أخرى.

 

روابط ذات صلة:

على بوابة الإحباط أعيش بلا هدف

ابنتي في المهجر.. كيف تتزوج؟

الرابط المختصر :