دعا على نفسه بالموت في لحظة هلع.. هل يُستجاب له؟

Consultation Image

الإستشارة
  • المستشار : أ. فتحي عبد الستار
  • القسم : وساوس وشكوك
  • التقييم :
  • عدد المشاهدات : eye 22
  • رقم الاستشارة : 6232
31/10/2026

السلام عليكم أريد أن أستفسر عن دعاء خرج من فمي في لحظة انكسار وظلم شديد مع أنني مريض قلق ووساوس، وهو: "يا ربي خذني إليك إذا كان السجن مصيري". مع العلم كنت جاهلا بأن الدعاء منهي عنه وتلفظت به في حالة إغلاق ذهني وهلع من تحمل مكان مثل السجن لأني أخافه، خصوصا أنني مظلوم، وهذا الظلم يندرج في اتصال هاتفي لأحد أقاربي أخبره أنني أعمل بأعمال مشبوهة، ولم أتمالك نفسي حينها وظننت أن هاتفي اخترق، وبدأت الوساوس من كل مكان، وصرت أبكي لربي أن يحميني، حتى خرج ذلك الدعاء من فمي دون سابق عمد.

المهم بعد 15 يوم عدت لرشدي قليلا وتذكرت أنني دعوت بنفسي وتبت واستغفرت. فهل دعائي في هذه الحالة مستجاب على حد علمكم؟

جزاكم الله خيرا، والله أنا في نفسية صعبة وندم شديد.

الإجابة 31/10/2026

وعليكم السلام ورحمة الله وبركاته، ومرحبًا بك أخي الكريم، وأشكرك على ثقتك بنا وتواصلك معنا، وأسأل الله أن يفرِّج همك، وأن يكشف كربك، وأن يعافي قلبك من كل قلق ووسواس، وأن يرد عنك كيد كل ظالم، وأن يكتب لك السلامة والأمان في دينك ودنياك، وبعد...

 

فلا شك في أن ما تمر به ظرف عصيب، وأن اجتماع الظلم مع شبح الخوف على الحرية والمستقبل يترك المرء في حالة من الإغلاق الذهني والهلع الشديد، تفقد الإنسان السيطرة على ضبط ألفاظه ومشاعره.

 

ولقد لفت انتباهي قولك إنك مريض بالقلق والوساوس، وهذا يفسر جانبًا كبيرًا مما حدث؛ فالنفس البشرية إذا أطبق عليها الخوف وحاصرها مرض القلق، تضيق بها الأفق، وتصدر عنها كلمات لا تعبر عن حقيقة مراد صاحبها ولا عن إيمانه.

 

أخي الحبيب، إن الله عز وجل أرحم بعباده من أن يؤاخذهم بما يجري على ألسنتهم في لحظات الانكسار والانهيار النفسي، وهناك متسع عظيم من رحمته عز وجل لمن هم في مثل حالك.

 

حكم الدعاء على النفس في حالات الهلع

 

لقد نهى النبي ﷺ عن الدعاء على النفس بالهلكة أو الموت، فقال: «لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به، فإن كان لا بد فاعلًا فليقل: اللهم أحيني ما كانت الحياة خيرًا لي، وتوفني إذا كانت الوفاة خيرًا لي» [متفق عليه].

 

لكن الله عز وجل لا يُكلف نفسًا إلا وسعها، وقد حمت الشريعة المخطئ والذاهل والمكرَه والمضطر من تبعات أقواله غير المقصودة. ومن أظهر قواعد التشريع أن التكليف منوط بالعقل والاختيار والقصد؛ فمن كان في حالة خوف شديد أو إغلاق ذهني، لم يكن لقوله اعتبار شرعي من حيث المؤاخذة أو الإثم.

 

وقد بيَّن لنا النبي ﷺ هذا بقول واضح: «إن الله تجاوز لي عن أمتي الخطأ والنسيان وما استُكرهوا عليه» [رواه ابن ماجة].

 

وكذلك في قصة الرجل الذي ضاعت راحلته منه في الصحراء حتى أيس منها، فاضطجع تحت شجرة ينتظر الموت، فاستيقظ ووجد راحلته، فقال من شدة الفرح: «اللهم أنت عبدي وأنا ربك» أخطأ من شدة الفرح [رواه مسلم]، فرغم عظم الكلمة وكفر ظاهرها، إلا أن الله عز وجل لم يؤاخذه بها لعدم القصد.

 

وأيضًا في قصة عمار بن ياسر رضي الله عنه حين أُكره وتلفَّظ بكلمات الكفر دفعًا للعذاب، فنزل فيه قول الله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ أُكْرِهَ وَقَلْبُهُ مُطْمَئِنُّ بالإِيمَانِ﴾ [النحل: 106]. فإذا كان هذا في الإكراه على الكفر، فما بالك بمن تفوه بعبارة تمني الموت أو الهروب من الظلم في حالة هلع واضطراب؟

 

إن كلامك هذا خرج بسبب الانكسار والخوف والهلع، ولم يصدر عن رضا أو إرادة حقيقية؛ ولذلك فلا إثم عليك فيه، وتوبتك واستغفارك اللذان ذكرتهما هما من كمال إيمانك ويقظة قلبك.

 

هل دعاؤك في هذه الحالة مستجاب؟

 

أما عن سؤالك عما إذا كان هذا الدعاء مستجابًا، فبإذن الله -تعالى- وكرمه، أطمئنك بأنه لن يستجاب، لعدم القصد، ولغياب الإرادة الحقيقية. إن الله جل وعلا يعلم خفايا الصدور ونيات القلوب، ويعلم يقينًا أنك لم تكن تريد الموت حقيقة، وإنما كنت تريد النجاة والفرار من الظلم والبطش والخوف، فكان لفظك مجرد تعبير عن شدة الوجع وضيق الصدر، وليس طلبًا حقيقيًّا للموت. وقد قال النبي ﷺ: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى» [متفق عليه]. ولم تكن نيتك الانتحار أو الموت، بل كانت نيتك الاستجارة بالله تعالى.

 

التعامل مع القلق والوساوس

 

إن ما تعانيه من سيطرة الوساوس وظن اختراق الهاتف والتوجس من المستقبل، هو انعكاس لحالة القلق المرضي الذي يضخ في رأسك أسوأ الاحتمالات. والشيطان وجد في ظرفك ثغرة ليُحزنك ويضيق عليك، فيصور لك أن كل كلمة خرجت منك هي نهاية المطاف، وأن دعاءك نافذ ومستجاب ضد نفسك.

 

أخي الكريم، إن الوساوس التي تقلقك وتجعلك تبكي وتبحث عن التوبة طوال خمسة عشر يومًا، هي دليل على حياة قلبك وطهارة سريرتك. وقد جاء الصحابة إلى النبي ﷺ يشكون ما يجدونه في أنفسهم من وساوس عظيمة، فقال لهم: «أوَقد وجدتموه؟» قالوا: نعم. فقال: «ذاك صريح الإيمان» [رواه مسلم]، وفي رواية أخرى قال: «الحمد لله الذي رد كيده (أي الشيطان) إلى الوسوسة» [رواه أبو داود]. فاستبشر خيرًا، فإن ندمك هذا هو التوبة بعينها.

 

اقتراحات لتجاوز هذه الأزمة

 

1- محاولة نسيان الماضي: توقف تمامًا عن مراجعة ذلك الموقف وتأنيب نفسك عليه؛ فقد تبت إلى الله واستغفرته، والتوبة تهدم ما قبلها، ورحمة الله عز وجل أرحب وأوسع من أن يعاقب عبدًا على كلمة خرجت منه في ساعة هلع مَرضي.

 

2- الاستعانة بمختص نفسي: بما أنك تشكو من القلق والوساوس، فإن علاج هذا الأمر يكون بالاستعانة بطبيب أو معالج نفسي ثقة؛ لتأخذ بالعلاج الدوائي أو السلوكي المناسب الذي يهدئ جهازك العصبي ويخلصك من نوبات الهلع وإغلاق الذهن. وهذا من الأخذ بالأسباب المشروعة التي أمرنا بها النبي ﷺ حين قال: «تداووا عباد الله، فإن الله لم يضع داءً إلا وضع له شفاء» [رواه أبو داود].

 

3- التحصن بالأذكار الشرعية والرقية: اجعل لك حصنًا يوميًّا من أذكار الصباح والمساء، وأذكار الأحوال، وقراءة القرآن، فإن ذلك يطرد الوساوس الشيطانية ويسكب السكينة في القلب، كما قال تعالى: ﴿الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ﴾ [الرعد: 28]، وقال عز وجل: ﴿ونُنَزِّلُ مِنَ القُرْآنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ ورَحْمَةٌ لِّلْمُؤْمِنِينَ﴾ [الإسراء: 82].

 

4- التفويض لله والتوكل عليه: إن كنت مظلومًا حقًّا، فحوِّل طاقة البكاء والخوف إلى الدعاء، بأن تدعو للظالم بالهداية أو أن يكف الله أذاه عنك، وأن يدفع عنك كيد الكائدين. وتذكر قول الله تعالى: ﴿وَمَن يَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ فَهُوَ حَسْبُهُ﴾ [الطلاق: 3] ففوِّض أمرك للحكم العدل القادر المقتدر.

 

5- السعي الإيجابي لتبرئة ساحتك: إلى جانب الأخذ بالأسباب الشرعية والنفسية، لا تكتفِ بالجلوس رهينًا للترقب والخوف؛ بل اسع بحكمة وهدوء لدفع هذا الظلم عن نفسك. فإذا كان أصل المشكلة هو اتصال لأحد أقاربك يتهمك باتهامات أنت منها بريء، فحاول بحذر وعبْر من تثق بحكمتهم من عقلاء العائلة توضيح الحقيقة، وقطع دابر تلك الشائعة قبل أن تتسع.

 

وختامًا أخي الحبيب، اطمئن وكن واثقًا برب أرحم بك من أُمِّك التي ولدتك. إن الله يعلم أنك كنت في قمة الضعف والهلع. فارفع رأسك وابدأ صفحة جديدة مع ربك ومع نفسك، واعلم أن الحياة أمامك مليئة بالخير والأمل، وأن كيد الظالم إلى زوال.

 

أسأل الله العلي القدير أن يشرح صدرك، وأن يزيل عنك كل هم وقلق، وأن يربط على قلبك بالسكينة والأمان، وأن يرد كيد كل من أراد بك سوءًا في نحره، وأن يكتب لك العافية والسلامة في أهلك ومالك ودينك. وصلِّ اللهم وسلِّم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

روابط ذات صلة:

من آداب الدعاء ووسائل الاستجابة

دعاء الأم على أبنائها

التعليقات

الرابط المختصر :